أمن السلطة.. مخصصات خارج القانون ودور مرتبط بالاحتلال!

أمن السلطة.. مخصصات خارج القانون ودور مرتبط بالاحتلال!
أمن السلطة.. مخصصات خارج القانون ودور مرتبط بالاحتلال!

الرسالة – خاص 

منذ انتخابه رئيسا للسلطة الفلسطينية عام 2005، لم تسجل لأجهزته الأمنية أي مواجهة مباشرة مع الاحتلال، بل ولم تسجل أي حادثة متعلقة بمنع اعتقال لأي مقاوم او ناشط سياسي او اعلامي فلسطيني، بل رصدت الكاميرات جنوده وهي تنسحب عند دخول آليات الاحتلال، رغم ذلك هي أكثر الأجهزة والوزارات التي تستحوذ على موزانات من الداخلية، فكيف ولماذا؟

يتحكم اتفاق أوسلو بالعقيدة الأمنية لأجهزة السلطة، التي نشأت أساسا عقب توقيع الاتفاق عام 1993، على إيقاع الحماية الأمنية للاحتلال، كما أن الدعم الخارجي للسلطة اشترط اصلاح القطاع الأمني استنادًا لقواعد الاتفاق، رغم نشوز هذه الأجهزة عنه في بعض المحطات وتحديدا في فترة الانتفاضة، قبل أن يعيد عباس ضبط ايقاعها وفقًا لعقيدة الاتفاق الأمنية.

وعام 2005، وعقب تولي عباس رئاسة السلطة، قبض المانحون أيديهم على المساعدات الأمنية من خلال انشاء بعثة الشرطة الأوروبية لتنسيق الدعم إلى الشرطة المدنية الفلسطينية (EUPOL COPPS) بالتعاون مع مكتب التنسيق الأمني الأمريكي (USSC)، لتدشن تلك المرحلة حقبة جديدة تسيطر فيها تلك الجهات على عملية الدعم وتوجيهه، وتبقى الموازنة صندوقًا سريا مقفلا.

ويبلغ عدد العاملين بأجهزة امن السلطة (الضفة الغربية وقطاع غزة) ممن يتقاضون رواتبهم من السلطة الفلسطينية أكثر من 60 ألفًا، موزعين على ستة أجهزة أمنية هي؛ الشرطة المدنية، الأمن الوقائي، المخابرات العامة، الاستخبارات العسكرية، قوات الأمن الوطني وأمن الرئاسة.

خريشة: مخصصات الأمن غير قانونية والسلطة تخفي حقائق عنها

 

وطبقا لمديرية الرواتب في السلطة الفلسطينية برام الله، فإن عدد الموظفين في السلطة 160 ألف موظف؛ 72 ألف في الضفة و78 ألف في غزة، وعدد العسكريين في الوطن 64 ألف موظف و96 الف موظف مدني.

وبحسب المعلومات الواردة من نقابة الموظفين، فإن حوالي 25 ألف عسكري فقط هم حصيلة من لم تشملهم إجراءات التقاعد التي تتخذها السلطة في غزة.

بمعزل عن دورها وعقيدتها الأمنية ومدى استفادة الجمهور منها، في ضوء ما تعلنه المنظمات الحقوقية عن ارتفاع بمعدلات الجريمة في الضفة، وعجز الأجهزة الأمنية عن القيام بدورها وورود عديد القضايا المقيدة ضد مجهولين، وما يجري عنه الحديث من شبهات فساد بين الشرطة والنيابة حول التستر على عديد المخالفات والجرائم، الّا أنّ ما يخصص لهذه الأجهزة ماليا هي مبالغ مضاعفة لما تستهلكه وزارتا الصحة والتعليم، فضلا عن وجود عديد المخصصات المالية للأمن بقيت صندوقًا مقفلا.

** برنامج تشغيل!

المعطيات الأولية لموازنة السلطة تشير إلى أن ما يخصصّ سنويًا للأجهزة الأمنية يقدر بـ 1.078 مليار دولار من أصل 3.860 مليار دولار تقريبًا، أي ما يعادل 28% من الموازنة.

وزير تخطيط سابق: الجزء الأكبر من موازنة الأمن يخصص لبند الأجور والطعام

 

وزير التخطيط السابق في الحكومة الفلسطينية، ومدير البحوث الحالي في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الدكتور سمير عبد الله، كشف لـ"الرسالة" عن جملة من المعطيات المهمة في مخصصات الامن بموازنة السلطة، مشيرا الى ان ما قيمة ما كانت تخصص له اقتربت أحيانا لـ35%  ولم تقل عن 28%، وهي موازنة اكبر من موازنتي الصحة والتعليم التي تقدر معا بـ25%.

وذكر عبد الله أنّ الجزء الأكبر من موازنة الأمن يخصص لبند الرواتب والأجور، إذ  أنّ 60% من هذه المخصصات تذهب للرواتب، و20% تقريبا للطعام، و20% الأخرى للنفقات التشغيلية والمحروقات.

أما على صعيد التدريب فموازنتها كانت مخصصة من الدعم الأمريكي، ويقال انها اوقفته، كما أنّ عملية التسليح توقفت تماما بعد الانتفاضة الثانية، ولا يوجد شيء جديد باستثناء بعض التبرعات لتدشين ابنية او توريد سيارات امن فقط، وفقا لعبد الله.

ويشير عبد الله إلى أن وزارة الداخلية هي أقرب إلى برنامج "تشغيل واستيعاب" لمن قدموا إلى الوطن من الخارج بعد اتفاق أوسلو، إذ أن غالبيتهم تم استيعابهم في الأجهزة الأمنية.

وزير بالسلطة: الامن عبارة عن "برنامج تشغيل" فقط!

 

ويرى أنّ عملية الدعم لم تستهدف تطوير البنية العسكرية للداخلية كما أنّها لم تستهدف تطوير القدرات القتالية والفنية التي تخدم المؤسسة العسكرية، بقدر ما اقتصرت على اهداف الداعمين فحسب.

أسامة نوفل مدير عام التخطيط والسياسات بوزارة الاقتصاد الوطني، أكدّ لـ"الرسالة" إلى وزارة الداخلية في رام الله استحوذت على 3 مليارات شيكل من حصة الموازنة للعام الماضي، أي ما يقرب من ثلث الموازنة تقريبا، وهي مخصصات اكبر بكثير مما تخصص لوزارتي الصحة والتعليم، وهي أكبر من أدائها.

وأِشار نوفل لـ"الرسالة" إلى أن هذه المخصصات تأتي في ضوء مديونية السلطة التي تصل لـ11 مليار دولار، من بينها مثلا مديونيتها من صندوق التأمين والمعاشات إذ وصل قيمة ما سحبته منه مليار و600 مليون شيكل، إضافة لـ أخرى6 مليارات ديون خارجية.

أمان: موازنة الأجهزة الأمنية "صندوق أسود"

وبين الخبير المالي أن ما ينفق على القطاعات التنموية لا يتعدى 2%، وهو مؤشر خطر جدًا، "فبدلا من توجيه جزء الاقتصاد بتنمية البلد يذهب للنفقات التشغيلية للأمن وغيرها دون تحقيق فائدة حقيقية من ورائها".

** صندوق مقفل

وفي ضوء ذلك، يصف المدير التنفيذي لائتلاف "أمان" من أجل النزاهة والشفافية مجدي أبو زيد موازنة الأجهزة الأمنية بـ "الصندوق الأسود"، قائلاً: "فلا نعرف شيئا عنها، باستثناء بعض المعلن، وهناك أنظمة مالية خاصة موجودة في الأجهزة الأمنية غير معلنة، فلا نعرف كيف توزع الأموال ولا العلاوات ولا الامتيازات".

وأضاف أبو زيد "الأمن يستغرق 26% أي ربع الموازنة، والتعليم 21%، ونحن نعتبر أن موازنة الامن مرتفعة ويجب إعادة تخصيص بعضها الى حساب وزارات التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية؛ لأنها من تعزز صمود الناس على الأرض".

ولفت إلى أنه ورغم ما يصرف على الموازنة الأمنية الا أن هناك خللا واشكاليات في طريقة إدارة الملف الأمني، "فهناك نقص في الشرطة وكذلك في الضابطة الجمركية التي ينبغي ان تقف لحماية المنافذ الأساسية من بضائع المستوطنات التالفة، فلما تصرف كل هذه الموازنة على الأمن إذن؟"، كما يتساءل.

لواء عسكري متقاعد بالضفة: لا جدوى من الأجهزة الأمنية وانصح بحلها

 

وأكدّ المدير التنفيذي لائتلاف "أمان" ضرورة إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، مقترحًا أن يتم تحويل بعض العاملين في جهازي حرس الرئيس والأمن الوطني إلى الشرطة مع الاحتفاظ بامتيازاتهم وحقوقهم لكن لخدمة الناس.

وكانت المنظمة العربية لحقوق الانسان قد قدرت موازنة الأمن السنوية بمليار ونصف تقريبًا.

وأوضح تقرير صدر عن المنظمة، أن أجهزة الضفة والبالغ عددها ستة تشكل عبئا على ميزانية السلطة الفلسطينية ففي عام 2014 تم

** مخصصات غير قانونية

النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي حسن خريشة، أكدّ أن أوجه الصرف أساسا لهذه الموازنات غير قانونية كونها لم تقر من المجلس، لافتا لتجربة التشريعي سابقا في انتداب بعضا من نوابه لمناقشة مخصصات واحتياجات الأجهزة الأمنية واعتمادها في الموازنة، مشيرا الى ان الرقابة على الموازنات أساسا هي من صميم عمل المجلس التشريعي.

وذكر خريشة لـ"الرسالة" أن قيمة ما يصرف على الأجهزة الأمنية قد تزيد عن نسبة 35% من الموازنة، غير أنّ تلك البيانات في معظمها لا تعرض على الجمهور.

وأشار إلى أنّ الحجم الضاغط لهذه المخصصات التي تصرف على الامن هي فقط نفقات تشغيلية، وهي كبيرة جدا، خاصة ان السلطة لا تملك أسلحة ثقيلة أساسا، وما يأتيها من مقدرات هي عبارة عن منح، "فالأصل أن توجه تلك المخصصات للتعليم والزراعة وما يعزز صمود الناس".

وأوضح أن ما يخصص من موازنات للتعليم مثلا لا يزيد عن عشرة في المئة وكان سابقا لا يزيد عن خمسة في المئة، فيما أن وزارة الزراعة مخصصاتها هي الأدنى رغم ان الشعب الفلسطيني يعتمد أساسا على الزراعة في ضوء ضعف البنية الصناعية والتجارية.

وأكد أن صرف تلك الميزانية الكبيرة للقطاع الأمني، على حساب باقي مؤسسات الدولة كالصحة والتعليم والزراعة، يعد تجاوزاً للقانون الفلسطيني، ولعباً بالنار، لكونه يتجاهل معاناة الفلسطينيين، ويركز فقط على الجانب الأمني، في ظل تفشي البطالة والفقر، وانعدام فرص العمل لمئات آلاف الخريجين.

خبير اقتصادي: أمن السلطة يستحوذ على ثلث الموازنة!

 

يجدر الإشارة إلى أنّ ما صرفته السلطة من 16 مليارا على الضفة فقط، فيما أن نسبة الفقر في غزة تزيد عن 53%، وتجاوزت نسبة الفقر العام 80%، وزادت البطالة عن 54% وارتفع مؤشر انعدام الامن الغذائي عن 69%، وذلك طبقًا للخبير المالي أسامة نوفل.

وخصصت السلطة قبل إجراءات التقاعد التي بدأتها عام 2017، ما يقدر بـ18% فقط لغزة، رغم مساهمة الأخيرة بنسبة 40% من إيرادات الموازنة المخصصة، وذلك متأتية من عوائد "الجمارك وفاتورة المقاصة".

** لا جدوى

وأمام حالة الاستنزاف التي تشكلها الأجهزة الأمنية من الموازنة مقارنة بضعف أدائها، يرى الخبير العسكري اللواء يوسف الشرقاوي، أنه لا جدوى من وجود هذه الأجهزة "ويكفي أن يكون هناك جهازًا شرطيا حديثا مهنيا يعفينا من أعباء كثيرة".

وقال الشرقاوي لـ"الرسالة": "الأفضل تقليص نفقات السلطة لا سيما وان المستقبل يكاد يكون معدومًا امامها في ظل الغطرسة الإسرائيلية وفشل الاتفاقات، وحل هذه الأجهزة دون قطع الرواتب يعفيها من الناحية الاقتصادية وكذلك السياسية".

ورأى أن وجود أجهزة امنية بمسميات مختلفة هي عبارة عن "مراسم سلطة غير حقيقية" خاصة وان الشعب يخضع للاحتلال، ومحاولات التوصيف ان هناك دولة وسلطة وهم!

وأضاف: "حل الامن يعني اعفاءنا من المحروقات واستئجار المقرات"، معتبرا أن الإصلاح السياسي هو مدخل تحسين الأداء لأي جهاز أمنى، كما أنّ أداء الامن حاليا لا يختلف عن أداء أي نظام عربي اخر قائم على الدكتاتورية.

يجدر الإشارة الى تصريحات مسؤول ملف الدائرة العسكرية في منظمة التحرير، الذي قال فيها إنّ السلطة لن تقدم أي خدمات أمنية مجانية للاحتلال، بعد قراره خصم مقاصة السلطة!