الأم التي لا تولول

الأم التي لا تولول
الأم التي لا تولول

بقلم- أحمد الكومي

ماجستير دراسات الشرق الأوسط

ثلاث أعوام ونصف مرت على اندلاع انتفاضة القدس، التي لا يمكن الحكم بانحسارها أو نجاح الاحتلال الإسرائيلي وأذرعه الأمنية في محاصرتها واحتواءها، في ظل بقاء مسبباتها.

الأشهر الأخيرة شهدت تنفيذ عمليات فدائية لمن يصفهم الاحتلال بـ "الذئاب المنفردة"، واستطاعت هذه الانطلاقات أن تُبقي حضور الضفة المحتلة في مشهد الصراع، كما أعادت معها إلى الواجهة حالة يمكن القول إن قطاع غزة انفرد بها لوقت طويل، وعلى نحو ملحوظ ومتزايد في الضفة المحتلة مؤخراً، وتحديداً في انتفاضة القدس.. أمّهات الشهداء والأسرى.

جملة قالتها والدة الشهيد "عاصف البرغوثي" نقلتني إلى الحكايات الأولى للمقاومة في غزة مع أمّهات الشهداء. وقفت الأسيرة المحررة سهير البرغوثي "أم عاصف" على ركام منزل ابنها الأسير عاصم في قرية كوبر قرب رام الله بالضفة، بعد أن هدمته جرافات الاحتلال. وقفت بكبرياء وصبر، وقالت جملتها العنيدة: "لن تهدموا عزيمتنا".

أم عاصف واحدة من الأيقونات التي بدأت تبرز بقوة في الضفة المحتلة، مثلها أم أحمد جرار، أم مهند الحلبي، أم ناصر حميد، والكثير. حضورهم على نحو متزايد هناك يعيدنا إلى بدايات المقاومة في غزة، التي انطلقت من هذه الحواضن.

كان الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس، رحمه الله، يصف المرأة الفلسطينية بأنها "خط الدفاع الثاني" في مقاومة الاحتلال؛ لأنها تأوي المطاردين، وهي التي تفقد الابن والزوج، وتتحمّل تبعات ذلك.

قال إنها "ليست الأم الفلسطينية القديمة التي كانت تولول وتبكي وتصرخ عندما تفقد ابنها أو زوجها. اليوم هي أم شجاعة وقوية، مستعدات للتضحية بأبنائهن كما كانت الخنساء في التاريخ".

ظهور هذا الخط الدفاعي بالضفة في الآونة الأخيرة لابد إلا أن يشير إلى هدوء مخادع هناك، فالدموع الحبيسة تنتظر فرصة مواتية للانتقام. كما أنه إعلان ببقاء المرأة الفلسطينية في محاضن الثورة، واستمرار دورها. نحن أمام نماذج تبحث عن المساواة مع الرجل في التضحية والفداء، وليس في حقوق اجتماعية أو مدنية فحسب.

إن حضورهن يمثل مؤشراً أو بداية لتمكين سليم للعمل المقاوم بالضفة ينطلق من نصف المجتمع إلى نصفه الآخر؛ فيلتقي الجميع عند دمعة ودعوة. فيلتفوا ونلتف حولهن، وستصبح الواحدة منهن "أم الجماهير" الحقيقية، التي لا تصرخ "وامعتصماه"، بل تأخذ حقها بفلذة كبها. تصبح الكلمة منها رصاصة، والصورة بالوشاح على أنقاض المنازل، ثورة.

هذه الأيقونات ستكون قدوة لكثير من الأمهات. الأم التي قد لا ترسل ابنها إلى الموت، لكن لا تصدّه حين يكون الأمر متعلقاً بالدفاع عن الشرف.

سنعود بذاكرتنا إلى أم نضال فرحات، وأم أحمد عابد، وأم بلال ريان، اللاتي شكلن ظاهرة فريدة في العمل المقاوم بغزة، ومارسن دور الأمّ الوصيّة على المقاومة، والأكثر فعالية في التوجيه والإرشاد، والحاضنة الأقدم لحماس وكتائب القسام منذ البدايات.

إن تداول مشهد أمهات الشهداء في الضفة في الآونة الأخيرة يبعث برسالة واحدة للغافلين ومن يعنيهم الأمر: من لا يحسن قراءة التاريخ، يُحكم عليه بإعادة أحداثه.