نتنياهو والشرق الأوسط الجديد

بقلم: محمود مرداوي

لم يعد المشهد صافياً والصورة واضحة لدى الكثير ، فما كان ممكناً في الماضي القريب أصبح متعثراً، فمنطق التبسيط والتهوين لا يواجه التحديات ولا يزيل العقبات كما كان في الماضي البعيد على الرغم من انه ساطع الوضوح ، فشعار السبعين أعطني شاشة وخذ دولة لم يعد قائماً ليس لفشل التطبيق إنما زعزعة الثقة وضعف الخطاب وغياب الترجمة العملية في الواقع لدى أغلب التجارب في المحيط، والاختبار الحقيقي والذي سيمنح شهادات التخرج النهائية لم يعد داخلياً بمنح فسحة من الحرية لتتمكن القوى الأكثر تنظيماً وجاذبية من الاستحواذ على أصوات الغالبية، إنما اختبار كبير لا ينبغي لأحد الاستخفاف به وبنتائجه وارتداداته، فهو تغيير عميق لن يسلم منه أحد ، ومن يقرر حجم وعظم هذا التغيير وعمقه وشدة تأثيره موقف ترمب المتأثر جداً برؤية نتنياهو.
فهل يدفع نتنياهو ترمب لإدارة المشهد والمعركة على حافة الهاوية ، أم أن نتنياهو لحسابات داخلية في لحظة معينة سيعيد النظر في قدرته على تحمل الارتدادات التي ستقع على كيانه ؟

صفقة القرن تمضي فعلياً على الأرض وتملك دافعية اكبر من قوة التصدي لها، والقضية تُصفى بعيداً عن المسميات، والحرب صفرية أكبر وأعمق بكثير من التصريحات ، فالكل يريد أن يربح كل شيء، ولا يتقاسم النفوذ والمصالح في المنطقة.
إيران لا تملك خيارات الاستسلام أو المفاوضات تحت طائلة العقوبات النفطية، ستناور ما دام نفطها وغازها يُصدَّر ، لكن إذا ما أُغلقت الأنابيب ولم تُستَقبل الباخرات سيكون الصراع مختلفاً، واشتداده المباشر سينعكس على كل نقاط الاحتكاك والمواجهة الظاهرة والخفية، وسيصبح مثل كرة الثلج يتدحرج في كل الاتجاهات، ستكون دولة الاحتلال في قلب العاصفة، ولربما يتغير شكل إدارة الصراع في محيطها الذي استقر بالنار في إيقاع مشتعل تحت الرماد يطفو فوق السطح على شكل حروب محدودة تعيد ترسيم قواعد الاشتباك، وستصبح المنطقة على صفيح ساخن وملتهب قابل للاشتعال في أية لحظة، لكن لن تنطفئ لأن المطالب متعلقة بالحقوق والهوية والدور والتأثير في المنطقة التي يُراد ترسيمها وتقسيمها بقوة السلاح لشرق أوسط جديد محمي بقصف الطائرات وقذائف المدافع، وقبول الدول العربية المعتدلة لإعادة ترتيب مرصوفة الأعداء والأصدقاء بما يتفق مع رؤية نتنياهو ومصالح موهومة يعتقدون صحتها متجاهلين حقائق الجغرافيا وأبعاد الثقافة والتاريخ والدين .

هذا التحدي قريب وسيكون له ما بعده ، ولن ينفع معه التعديل أو الفلسفة في قراءة المشهد دون استعداد لدفع الثمن وإبداء الرأي والموقف، فالاستعداد لقراءة المشهد بشكل صحيح واستشراف النستقبل واتخاذ المواقف الحقيقية التي تليق بالدور والموقف تجاه المنطقة ومصالحها ، تجاه التاريخ والتكليف، فلا ينبغي التحرك من واقع يسلم راسي ولتكسر كل الرؤوس .