حينما تحولت "الملابس الداخلية" هدفا لصواريخ الاحتلال

حينما تحولت "الملابس الداخلية" هدفا لصواريخ الاحتلال
حينما تحولت "الملابس الداخلية" هدفا لصواريخ الاحتلال

 الرسالة نت -  محمد أبو قمر

على شجرة كبيرة اتشحت بكثافة الغبار الأبيض، كان هناك مشهد ملفت لم يعتد أحد رؤيته.. قطع من ملابس نسائية داخلية تناثرت على أوراق الشجر المرهق بفعل القصف، بعدما تطايرت من متجر ملابس نسائية كان في بناية استهدفتها طائرات الاحتلال.

لم تكن عادية تلك الليلة التي هدأ فيها غبار البناية المتطاير للتو، بعدما ثار ضجيج السكان والمارة وهم يهربون من المكان خوفا من قصف حتمي للبناية إثر تهديد قوات الاحتلال بإخلائها.

كانت عقارب الساعة تتجاوز التاسعة ليلا، في حي الرمال الأرقى بمدينة غزة والأكثر ازدحاما بالمتسوقين لشهر رمضان، حينما حان وقت القصف.

دقائق معدودة فصلت بين الأجواء الاحتفالية، ومشاهد الزينة وفوانيس رمضان المضيئة، وبين مشهد الركام المتطاير، والظلام الذي خيم على المنطقة بعدما غابت الكهرباء عنها قسرا.

في تلك الدقائق تلقى مالك عمارة "الخزندار" وسكانها الواقعة بجوار أكبر مركز تجاري في مدينة غزة، اتصالات متتالية ممن يعرفون أنفسهم بــــ"المخابرات الإسرائيلية" يطلبون منهم الإخلاء الفوري للمبنى والأماكن المجاورة لاتخاذهم قرارا بقصفها.

لم يستطع أي من السكان وأصحاب المحال التجارية أسفل البناية سوى الهروب بأجسادهم دون شيء.

لحظات عم فيها الصمت وتسارعت دقات قلوب المترقبين للانفجار المحتمل، الذي هز أرجاء المدينة بعدما باغتت الطائرات الحربية البناية السكنية بالصواريخ الثقيلة.

كان المشهد أصعب من أن يوصف حينما وقف الجميع تنتابهم الصدمة، ويسيطر عليهم الشعور بالدوار من شدة صوت الانفجار، وكأنهم خرجوا من كابوس مزعج عاشوه للحظات قبل أن يخلدوا للنوم.

خمس طبقات اسمنتية سويت بالأرض وابتلعت بداخلها كل ما جمعته لسنوات بين حجارتها.

حالة من الهستيريا وثقتها عدسات الكاميرات لسكان العمارة التي تضم تسعة عشر شقة سكنية، ومؤسسات تعليمية خيرية، ورصدت آهات أصحاب المحال التجارية الذين دفنت "أموالهم وبضائعهم تحت الأنقاض، وهم يصخون "ما ذنبنا" ؟!

بقي الخراب على حاله خلال ساعات ليل طويل مرت على ساكنيه في الشارع دون مأوى، ومع انقشاع الظلام أشرقت الشمس على بقايا ما كان يعرف بعمارة سكنية.

الملابس الداخلية التي غالبا ما تكون داخل أرفف المحال التجارية، قفزت الى الشارع وتشبثت بأغصان الشجر بفعل الانفجار.

ربما ذلك المشهد مخجل للمارة ومن يتردد على المكان لكنه شاهد على وقاحة الاحتلال وبشاعة جرائمه.

التقاط الصورة بين الحضور أثار حفيظة البعض الذين يعتبرونها "عيبا"، لكنها كانت رسالة علها تؤثر فيمن لم يعد مشهد قتل الأطفال وتدمير البنيان يهزهم، وكأنهم أرقام صماء تمر على قارعة الحرب

تلك الصورة تعيد للأذهان مشهد النساء والأطفال وهم يهرعون بما يرتدون من ملابسهم البيتية فقط هربا من موت يطاردهم وقت الإنذار، لكنها تكشف عورة الاحتلال باستهداف الآمنين.

الصورة "الخادشة" برأي البعض تخفي خلفها تفاصيل قاتمة لأربعين ساعة من التصعيد الإسرائيلي ضد غزة، شن خلالها سلاح الجو والمدفعية أكثر من 259 غارة، قتل فيها أربعين شخصا منهم ثلاثة نساء اثتنين حوامل، وطفل، الى جانب 154 إصابة بجراح مختلفة.

ربما لم يتحرك العالم أمام دماء وأشلاء الشهداء وتدمير 75 منزلا وبناية بالكامل، لكن عله تشده صورة "الملابس الداخلية" المتناثرة، وتثير السؤال لديه، ما الذي يجري في غزة؟