مؤتمر المنامة المقبل.. والإصرار على تمرير صفقة القرن

بقلم: عبد السلام فتحي فايز

أعلن البيت الأبيض أنه سيتم نهاية شهر حزيران/ يونيو المقبل، استضافة أول مؤتمر في العاصمة البحرينية المنامة، حول صفقة القرن، وتحويل ما تمّ تدارسه خلال الفترة الماضية إلى واقعٍ ملموس، يدفع ثمنَه الشعبُ الفلسطينيُّ في الداخل، واللاجئون الفلسطينيون في مخيمات الشتات. إذ إنّ هذه الصفقة المُزمَع عَقدُها تعتبر من أهم خصوم حق العودة الذي يحلم به فلسطينيو الخارج، ويعيشون على أمل تحقيقه طال الزمن أم قصر..

وبهذا الإعلان، يكشف الرئيس الأمريكي عن عزمه إدخال صفقة القرن حيّز التنفيذ، وذلك من خلال فرص الاستثمار الاقتصادي في الداخل الفلسطيني التي سوف يُؤتَى بها إلى مؤتمر المنامة، لعلها تكون بنظرهم فاتحة لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، باعتبارها تستضيف كبار المستثمرين ورجال الأعمال وممثلين بارزين عن المجتمع المدني. وبهذا سوف يتم تحقيق الوعد الذي أخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على نفسه، عندما خاض سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية، بأنّ السلام في الشرق الأوسط وأمن دولة الاحتلال هما على سلّم الأولويات، وفي طليعة جدول الأعمال الذي جاء به إلى سدة الحكم في البيت الأبيض..

يريد الرئيس ترامب من خلال هذا الإعلان أن يرسل رسالة إلى المهتمين بالشأن الفلسطيني والإسرائيلي، سواء أكانوا من أنصاره أم من خصومه، بأنّ عليهم الاستعداد جيدا لإبرام صفقة القرن. ولهذا، فقد صرّح كبير مستشاريه، جاريد كوشنر، بأنّ مؤتمر المنامة يعتبر فرصة جيدة للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وبأنّ بنود صفقة القرن سوف يتم الإعلان عنها بعد شهر رمضان، بينما رأى آخرون بأنّ مثل هذه التصريحات جاءت متأخرة جدا؛ لأنهم رأوا أن صفقة القرن بدأ تنفيذها على أرض الواقع منذ فترة، وهي ليست بحاجة ماسة إلى مؤتمر المنامة المقبل، إذ تمّ تسريب البنود قبل مدة. ومن بين هذه البنود، فرض عقوبات اقتصادية على الفلسطينيين في حال رفضوا التوقيع عليها، ووضع حركة حماس والجهاد الإسلامي في خيار المواجهة الشرسة مع دولة الاحتلال إذا ما أصرّت الحركتان على عدم تمرير هذه الصفقة، وما العقوبات الاقتصادية المفروضة على قطاع غزة، والسلطة الفلسطينية، ووكالة الأنروا، إلا إيماءات البداية والانتقال إلى مرحلة الأفعال.

كما أنّ دولة الاحتلال الإسرائيلي ومن خلال دورها في استمرارية الانقسام الفلسطيني، تعمل وبشكل محوري على ترسيخ بنود صفقة القرن، طالما أنّ القائمين عليها حددوا الأطراف المعنية بهذه المسألة، من خلال اختيارهم لثلاثة أطراف مخولة بتمرير أو رفض الصفقة، وهذه الأطراف هي: دولة الاحتلال، وحركة حماس، والسلطة الفلسطينية.. وبهذا تتضح معالم المشروع الأمريكي الإسرائيلي من خلال تقديم دولة الاحتلال كطرف واحد، بينما تم تقديم الجانب الفلسطيني ضمن فريقين اثنين، في إشارة واضحة إلى أنّ الانقسام الفلسطيني هو أكبر خدمة مجانية للولايات المتحدة ولدولة الاحتلال، من أجل تمرير صفقة القرن، بالإضافة إلى سعي بعض الدول العربية إلى التطبيع العلني مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وعلى كافة المستويات، سياسيا ودينيا واجتماعيا ورياضيا وإعلاميا..

فأنْ تكون العاصمة البحرينية المنامة هي مركز البداية، فهو أمر مقلق للغاية ويبعث على القلق. فلماذا لم تكن واشنطن راعية الصفقة هي المستضيفة لهذا المؤتمر، أو باريس مثلا؟ ذلك لأنّ الإدارة الأمريكية تودّ أن تبلّغ الرافضين للصفقة بأنّ طاولة المفاوضات قد وُضِعت وبموافقة عربية وإقليمية، ومن دول مؤثرة وفاعلة في المنطقة، رغم التنديد الفلسطيني والعربي باستضافة المنامة لمثل هذا المؤتمر..

والارتياح الإسرائيلي لهذا المؤتمر واضحٌ بيّن لا يمكن إخفاؤه، إذ وصفت بعض المواقع الإسرائيلية مؤتمر المنامة المقبل بأنه ورشة عمل يدعو إليها البيت الأبيض، من أجل أن يجتمع وزراء المالية مع كبار المسؤولين، ورجال الأعمال العالميّين، لعلهم يخرجون بتوصيات اقتصادية مهمة تنهي فتيل النزاع في المنطقة. وما هذه الحفاوة الإسرائيلية بمؤتمر المنامة إلا حلقة جديدة من مسلسل الترحيب الإسرائيلي بموقف بعض الأنظمة العربية المؤيد للتطبيع ولصفقة القرن، ولإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي على حساب الشعب الفلسطيني والحقوق الفلسطينية المشروعة وفي مقدّمتها حق العودة..

أمّا فلسطينيا، فالمطلوب هو الإصرار على الرفض التام لتمرير هذه الصفقة حتى لو تم تغليفها ببعض الميزات الاقتصادية التي تنعش مستوى المعيشة لدى المواطنين، خاصة في قطاع غزة المحاصر الذي يعاني قاطنوه من أزمة معيشية غير مسبوقة، وبالرغم من أن الطرف الفلسطيني قد يكون هو الأضعف في هذه الصفقة، إلّا أنّ الإصرار على رفضها سيمنع تمريرها واعتمادها، لأنه طرفٌ أساسيٌّ وركنٌ ثابتٌ فيها، وبدونه وبدون موافقته لن تمر الصفقة..

تُرَى إلى أيّ حدّ سيكون الفلسطينيون وداعموهم قادرين على مواجهة الأيام القادمة التي تفصلهم عن مؤتمر المنامة؟! وكيف لهم أن يُفشِلوا كل هذه المساعي التي تهدف إلى تصفية حقوقهم وقضيّتهم على حدّ سواء؟!
عربي 21