" نكبة وبقاء" لعادل مناع ، سيرة أنصاف الناجين

نكبة-وبقاء.jpg
نكبة-وبقاء.jpg

فلسطين ألترا

يؤرخ كتاب "نكبة وبقاء" (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2016) للمؤرخ الفلسطيني عادل مناع، لمرحلة إشكالية وحاسمة في التاريخ الوطني الفلسطيني، وهي تلك التي تحيط بالنكبة، تحديدًا في حيفا والجليل، وتسلّط الضوء على مجموعة من الإشكاليات الأساسية، سواء المرتبطة بالعلاقة بين الفلسطيني والإسرائيلي، من ناحية المجازر وتجربة الاقتلاع والتهجير، والاضطهاد المتواصل، وظاهرة الحنين الجماعي، أو من ناحية العلاقة بين الفلسطينيين أنفسهم، التي عالج الكاتب فيها قضايا تتعلق بتجربة الشيوعيين الفلسطينيين وبعض النخب الأخرى.

 

يحاول مناع في كتابه أن يصف حياة الباقين في الجليل بعد النكبة ويحاول فهم سرّ بقاء هؤلاء أو نجاتهم من التهجير، بل ويتطرق الكتاب أيضًا إلى من رحلوا ثم عادوا إلى قراهم ومدنهِم بعد توقف المجزرة، محاولًا من خلال هذا المسار الإجابة على أسئلة عدة، كان من أبرزها: ما هو سرّ بقاء هذه المناطق وعدم سقوطها مقارنة بغيرها؟ وكيف عاش هؤلاء الباقون تحت الاستعمار بعد أن أصبحوا أقلية نجت من المجزرة أو من الطرد، بالإضافة إلى محاولته فهم كيفية تأقلم هذه الفئة من الفلسطينيين مع الوضع الجديد، الذى تلى إقامة "إسرائيل" على أنقاض الفلسطينيين.

 

 

في فصله الأول يتناول الكتاب بشكل موجز تاريخ النكبة وما قبلها في هذه المناطق، فيشير إلى ثورة 1936 وإلى قرار التقسيم والهزيمة القاطبة التي شكلها قرار (181) في 29 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1947، ومن ثم ينتقل إلى ذكر بعض الأحداث التي رافقت النكبة ولكن بشكلٍ موجز أيضًا، ويكتفي مناع بوضع الخطوط العريضة على أحداث شمال البلاد دون الانشغال بالتأريخ لها.

 

أمّا في الفصل الثاني، فيروي مناع عملية حيرام وكيفية إتمام احتلال الجليل، ويسرد قصة حبيب زريق أحد سكان قرية عيلبون الذي أيّد قرار التقسيم على غرار رفاقه في عصبة التحرر الوطني، معقّبًا على موقف الحزب الشيوعي من قرار التقسيم، إذ وافق عليه واحتضنه. من ثم يتطرق إلى أمثلة أخرى من قرى تم التهجير والإبادة فيها كنوع من سياسة التطهير العرقي.

 

يخصص مناع فصلًا خاصًا للشيوعين العرب في الداخل، كمحاولة لفهم هذه التقلبات في مواقف الحزب الشيوعي من الصهيونية، وقرار التقسيم وفهم موقف العصبة والتحولات التي حصلت عليه مع تأييد المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي لقيام الدولة اليهودية. ويتطرق مناع في بداية هذا الفصل إلى الدروز الأوائل ونزع جزء منهم بشكل ممنهج عن الحركة الوطنية الفلسطينية، وصراعهم مع الثوار وتصفية الكثير منهم بتهمة الخيانة.

 

ينتقل الكتاب في الفصل الرابع إلى وصف عملية التهجير بعد وقف الحرب وتوقيع اتفاقية الهدنة مع مصر، ومن ثم يقوم بذكر بعض الأرقام الخاصة بأعداد الفلسطينين وتطورها بالاستعانة بكتاب الإحصاء الإسرائيلي السنوي، ويتتبع خمس سنوات ما بعد النكبة، بما في ذلك عمليات العودة التي خاضها عدد من اللاجئين عبر حدود "الدولة الجديدة". في هذا السياق يبين مناع أنه "وبعد خمس سنوات من إتمام احتلال الجليل قدّرت مصادر إسرائيلية رسمية أن نحو 20.500 (متسلل) نجحوا في الحصول على المواطنة".

 

أما في فصله الخامس يركز مناع على التاريخ الشفوي، فيسرد حكايات أشخاص وحكايات قرى، تعكس أوضاع الحياة الصعبة التي عاشها الباقون، فيشير هذا الفصل إلى سياسة "إسرائيل" القمعية الروتينية من خلال مذبحة كفر قاسم. وحسب مناع فإن هذا الفصل يقدّم صورة لحياة الباقين تحت السياسة العامة الإسرائيلية، مضيفًا أن حكايات الناس والقرى تمثل نموذجًا حيًا للتاريخ المحلي الذي يضع المهمشين في المركز.

 

في الفصل السادس يوضح مناع من خلال روايات أشخاص عاشوا التجربة كيف يمكن للضحايا العيش تحت ظل جلادهم، فيروي قصص أشخاص حاولوا العيش والمقاومة من خلال رفع قضايا وشكاوى في المحاكم الإسرائيلية، فمثلاً تغلب الشباب الباقون على محنة تجنيدهم في الجيش الإسرائيلي. ويوضح هذا الفصل بشكل أساسي الطرق والوسائل التي استخدمها المهمشون والضحايا لمقاومة الاستعمار في البيئة الجديدة، وربما استغلال مقوماتها.

 

تكمن أهمية الكتاب في التقاطع المنهجي الذي يتبناه، وفي انحيازه لرواية الضحايا، ليس من خلال أخذ موقف سياسي في صفهم، ولكن من خلال إعطائهم الصوت الأساسي داخل البحث، فالكتاب في جزء منه تاريخ شفهي تناقله الضحايا العاديون والمهمشون عن المجزرة والحنين والاقتلاع والماضي، وهو ربما يمثل سيرة غير المطرودين، الذين عاشوا في ظلال المجزرة.