"عساكر قوس قزح".. رثاء إندونيسي للكفاءات المهدورة

رواية.jpg
رواية.jpg

وكالات

يأمل الإندونيسي أندريا هيراتا أن يعثر القراء على ما يجذبهم في العوالم التي صورها في روايته "عساكر قوس قزح" التي التقط فيها جمال الطفولة وقوة الأمل لدى معلمة صبية مهمشة وتلاميذها العشرة، وهم يحاربون أعداء لا يقهرون، ويكافحون من أجل العلم والكرامة، حيث يقول إن "قصته هي قصة الناس المنسيين، وهي صوت من لا صوت لهم".

 

بعد سنوات من المتابعة والإصرار، أفلح هيراتا في أن يحظى بمنحة دراسية إلى أوروبا، ليعود إلى بلاده ويلتقي بعض أصدقائه مجددا، يستعيد ذكريات طفولته المفعمة بالبراءة والجمال برغم ما فيها من قسوة الظروف ومرارة الأيام، ويرثي الآمال المحطمة لجيله والأجيال السابقة، كما يرصد مرحلة انتقال البلاد من سلطة سوهارتو إلى السلطة التالية، وحصول أعمال نهب للممتلكات العامة بحيث انفجر المكبوت وتعامل الناس بطريقة انتقامية مع بعضهم البعض.

 

نعمة ونقمة

يصور هيراتا في روايته -نشرتها دار المنى في السويد بترجمة سكينة إبراهيم- واقع المعيشة في جزيرة سومطرة، حيث يحترف بعض الناس الصيد وبعضهم الآخر الفلاحة، في حين يشتغل قسم قليل مع شركة التنقيب عن القصدير، وهي الشركة التي تستنزف مقدرات البلد وطاقاته وتتحكم في سوق العمل، مقسمة الناس تقسيما طبقيا.

يذكر هيراتا أن جزيرة بيليتونغ الصغيرة تعتبر أغنى جزيرة في إندونيسيا، لكن غناها جعلها تنفرد بنفسها. وإلى هذه الجزيرة النائية تسللت حضارة الملايو القديمة من ملاكا، وكان ثمة سر بقي مدفونا في الأرض إلى أن اكتشفه الهولنديون، ففي أعماق الأرض الموحلة تدفق الكنز/القصدير المبارك، النعمة التي تحولت إلى نقمة على سكان الجزيرة.

 

يصف الروائي كيف أن المدرسة المحمدية كانت ملاذا لهم، وكانت تتبع "المؤسسة المحمدية"، وهي تعتبر ثاني أكبر مؤسسة إسلامية في إندونيسيا، ويتجاوز عدد أعضائها ثلاثين مليونا، وكانت قاعدتها الأساسية "أمر بالمعروف ونهي عن المنكر". تلك الكلمات التي يقول بطل الرواية إنها بقيت راسخة لديهم طيلة رحلتهم نحو سن البلوغ. والمدرسة كانت عبارة عن غرفة متهالكة الجدران، متداعية السقف، لا تتوافر فيها أبسط الشروط، لكنها نهضت واستمرت بفضل إصرار المعلمة "بو مس" والمعلم "هرفان".

 

بالحديث عن الأطفال الذين يشكلون "عساكر قوس قزح"، يمتاز كل طفل بميزة خاصة به، يروون لبعضهم قصصا غريبة متخيلة، وأصبحت لديهم عادة تسلق شجرة محددة بعد كل عاصفة ماطرة بحثا عن قوس قزح، ولهذا السبب أطلقت عليهم معلمتهم "بو مس" اسم "لاسكار بلانجي"، أي "عساكر قوس قزح".

 

تتحدى المعلمة مع تلاميذها العشرة مخطط الشركة للاستيلاء على أرض المدرسة والتنقيب فيها، وأصبحت قضيتهم قضية رأي عام، ونجحت في المحافظة على المدرسة برغم الترغيب والترهيب كله، وضربت مثلا في التضحية والافتداء.

 

وبالانتقال إلى وصف حالهم، يحكي الراوي الذي ينطق بلسان الروائي نفسه أنه تحت البيوت القائمة على الركائز حيث عاشوا حياتهم المحرومة، قبعت طبقات وطبقات من الثروة، وأنهم كانوا مثل مجموعة جرذان تتضور جوعا في مخزن يغص بالأرز، إذ انتهجت شركة القصدير أسلوب المستعمر في الهيمنة والاستغلال والابتزاز.

احتفاء بالإنسانية

يتناول الروائي تفاصيل حياتية تشكل هوية أبناء المنطقة هناك، فتراه يقول على لسان بطله "هويتنا لا تقوم على اللغة ولون البشرة والنظم العقائدية أو حتى بنية الهيكل العظمي، نحن عرق يقوم على المساواة". ويصف المدرسة بالتبجيل والمهابة، وأنها احتفاء بالإنسانية، بهجة الدراسة وضوء الثقافة، برغم إدراكه النجابة المهدورة والكفاءات المغدورة.

 

ويشير هيراتا إلى جانب من التقسيم الطبقي السائد في الجزيرة، وكيف عاش الموظفون الوافدون في منطقة مخصصة للنخبة تدعى الملكية، وكان لديهم مدرسة نموذجية على عكس المدرسة المحمدية. لكن بفضل جهود المعلمة استطاع تلاميذ المدرسة العشرة الذين يشكلون فريق "عساكر قوس قزح" التفوق في مسابقتين علميتين.

 

يشار إلى أن هيراتا الذي -أكمل دراسته في المملكة المتحدة- تطوع سنة 2004 لإغاثة المتضررين من كارثة تسونامي في آتشيه. وهناك صادف مدرسة منهارة ذكرته بوعده القديم الذي قطعه على نفسه في طفولته بأن يكتب لمعلمة مدرسته الابتدائية كتابا يخلد به ذكراها ومآثرها. كما يشار إلى أن "عساكر قوس قزح" هي رواية هيراتا الأولى، وقد تم تحويلها إلى فيلم سينمائي، وترجمت إلى عدة لغات، ولاقت شهرة واسعة.