فستق عبيد... العبودية بأنواعها

51423-فستق-عبيد.jpg
51423-فستق-عبيد.jpg

الرسالة نت

رشا فرحات 

تدور أحداث هذه الرواية ما بين دارفورد والبرتغال مرورا بالجزائر، تحكي عن عالم العبودية في بداية هذا القرن، بينما كانت أوروبا غارقة في حروبها ومشاحناتها، وسيطرة الطبقة الارستقراطية على سير الحياة فيها، وبينما كانت البرتغال تحاول الوقوف على الحياد بين هذه الدول المتناحرة فتنحت قليلا عن الأزمات المالية والجوع الذي فرضته الحروب على الدول الأوربية الأخرى.

 

القصة هي قصة رحمة وجدها العبد السوداني الذي بدأت الرواية بسرده لقصته وكيف انتهى سرده باتخاذه قرار زراعة فستق العبيد في أرضه بعد أن تحرر وزوجته وأنجب الكثير من الأبناء وتكلل الإنجاب بحفيدته السمراء الجميلة رحمة.

زرع الجد الفستق ليحصن أبناءه من الوقوع فريسة لمتصيدي الأطفال العبيد، وهم غالبا من الأوربيين التجار الذين يأتون إلى أفريقيا خصيصا لصيد الأطفال عن طريق اغرائهم بحبات الفستق، فشعر الجد أن إشباع أبناءه وأحفاده من الفستق قد يعتبر طريقة جيدة لتحصينهم.

 

ولم يكن ذلك مجديا، ففي ليلة سمر وقعت رحمة في شبكة صيادي العبيد، وحُملت بالمراكب مع غيرها من الفرائس إلى الجزائر، وهناك بيعت لتاجر برتغالي حديث النعمة كان يود أخذها إلى زوجته البرتغالية التي تنتمي لعائلة ارستقراطية، أحبته وهو ابن المزارع وتزوجته ثم ندمت بعد اكتشافها للفروق العقلية والطبقية بينهما وبعد انهيار أموال والدها وانهيار الطبقية في البرتغال حتى دارت الدوائر وأصبح زوجها هو المتحكم بأملاك والدها المستردة بعد موته.

 

يقع التاجر البرتغالي في حب رحمة، ولكنه لا يعترف بهذا الحب، ويصبح واحدا من طابور طويل من المآسي التي تعرضها الكاتبة في الرواية والتي تتعرض لها رحمة من بداية صيدها حتى انتهاءها امرأة مصابة بالجذام ومنفية وهي تصطحب معها ابنتها التي ولدت للأب البرتغالي الذي لم يعترف بها، ولم تخبر رحمة أحدا عنه ولم تكترث.

صورت الكاتبة حياة العبيد القادمين من ثقافات مختلفة وديانات مختلفة حتى أن منهم مسلمون يتعبدون في الكنائس، ويخضعون لأسيادهم ويقعون ضحية لعلاقات جنسية ينتج عنها جيل جديد من العبيد المجنين بين الأبيض والأسود " كريولو"

 

الرواية تعرض حياة العبودية بطريقة لا بأس بها، وان كانت مليئة بتفاصيل وشخصيات محشوه بين الصفحات بشكل كان يمكن الاستغناء عنه قليلا. كما أنها تتناول التغيرات التي حدثت في أوربا بشكل سريع سطحي كنت أتمنى لو كان أعمق وأكثر تفصيلا، خاصة أشكال انتقال المال بين الطبقات الأوربية وأشكال الحكم في البرتغال في ذلك الوقت.

ولعل الأجمل في الرواية أنها تعرض أشكال العبودية المختلفة، عبودية المسلم للمسلم، وعبودية المسلم لغير المسلم، وطرق الاستعباد في دارفود وخارجها، فتحرر "كامونقة" جد رحمة من العبودية كان مقابل أن يحارب مع جيش المهدي في معركة خاسرة، اعتقدتها شكلا أخر من أشكال العبودية، يستعرضها الجد بطريقة مأساوية قد تعطيك نظرة عن الواقع في تلك المنطقة في زمن ثورة المهدي .

 

في نهاية الرواية تستطيع رحمة قبل أن تموت التعرف على أحد أقاربها التجار القادم من دارفور والذي تأتمنه على طفلتها ليعيدها إلى عائلتها هناك، لاعتقادها أن ابنتها ستكون في مأمن من العبودية وستعود إلى مزارع فستق العبيد التي لطالما حلمت رحمة بالعودة إليها والهرب من عبوديتها.

ولكن الطفلة تقع فريسة للقريب نفسه، وتبقى في طريق العبودية هي الأخرى، لتكتمل أنواع العبودية التي سردتها الكاتبة سميحة خريس في روايتها.