سلطة مرتجفة من حرية التعبير

نزار السهلي
نزار السهلي

نزار السهلي

بعد توقيع اتفاق أوسلو الشهير في العام 1993، أصدرت إحدى المنظمات الدولية المهتمة بالتنمية البشرية، تقريرا عن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، أوردت فيه، أن المجتمع الفلسطيني قبل تسلم السلطة لمناطقها، كان المجتمع الفلسطيني الوحيد في العالم العربي الذي تتمتع فيه المرأة بخصوبة عالية وبنسبة تعليم تصل إلى 93 في المجتمع، وهو المجتمع الذي استطاع أن ينظم نفسه ويجري انتخابات محلية، وعلى صعيد النقابات والجامعات، وأن يفرز ممثليه. والمجتمع الوحيد القادر على إجراء استطلاع رأي عبر الهاتف. والمجتمع الذي يمتلك حوالي 160 مطبوعة، وحوالي 53 محطة تلفزيون محلي، وهو ما يعكس حيوية المجتمع المتفاعل مع قضيته، والباحث عن وسائل نضالية وعلمية واجتماعية واقتصادية لمواجهة ما يتعرض له، وبإمكانيات محدودة وضعته بالمرتبة الأولى في ما يتعلق بحرية التعبير آنذاك. ويختم التقرير بهذه العبارة: "دخلت السلطة الفلسطينية وأفسدت كل ما أنجزه المجتمع الفلسطيني".

هذا التقرير يؤكد أن وسائل الإعلام المحلية وبوسائل عملها المحاط بشتى أنواع التضييق آنذاك؛ استطاعت مواكبة نضال الشعب الفلسطيني، وحماية عقله من ممارسات واعتداءات الاحتلال المتواصلة حتى هذه اللحظة، وكانت نتائجه واضحة وجلية في الانتفاضة الأولى عام 1987. هذه اللحظة يأتي الخبر من "قضاء السلطة" التي تقف بوابا وحاجبا على باب التنسيق الأمني للمحتل، بمنع وحجب عدد من المواقع الإعلامية الفلسطينية والعربية تحت ذريعة "تهديد الأمن القومي". وبظني، هذا المصطلح فضفاض لا يمكن أن تلبسه وظيفة السلطة الفلسطينية بالحديث عن الأمن القومي القابع في بند التنسيق الأمني مع المحتل، في حين ترتجل الفشل تلو الفشل منذ أكثر من عقدين.

مخزٍ ومشين هذا القرار، خصوصا أن تاريخ علاقة السلطة مع الاحتلال لم يجرم ويمنع وسائل اعلام صهيونية تحرض صباح مساء على الفلسطينيين، بل تثني عليها من خلال منحها المقابلات والتصريحات السياسية، حتى يتم الرضا عنها في تل أبيب وواشنطن، ويتم استقبال صحفييها ومراسليها حتى في مقر السلطة وبحمايتها، وتوفر لها كل الأسباب لإعداد تقارير إعلامية ولقاءات تصب في مصلحة الاحتلال وتلميع السلطة، في حين يجري اعتقال ومطاردة وتضييق على وسائل الإعلام من قبل الاحتلال والسلطة في آن واحد؛ بالاقتحام وتحطيم مراكز إعلامية وصحفية، وبالترهيب والاعتداء المباشر والاعتقال لإعلاميين وصحفيين، في الوقت الذي يحتاج فيه الفلسطينيون مزيدا من الشفافية والحرية الإعلامية لمواجهة ما يتعرضون له.

وفي الوقت الذي تجتاح فيه الشوارع العربية موجات غضب عارم على كل أنواع الاستبداد والطغيان والقهر والقمع، وبعد سنوات طويلة من تضحيات الشعوب في محاولة للتخلص من الطغاة، تأبى السلطة الفلسطينية إلا أن تقيم تحالفها مع الاستبداد والطغيان والاحتلال، وتدير الظهر مجددا لشعبها، متوهمة أنها بعيدة عن موجة غضب ستأتي عاجلا أم آجلا، فحالة الافساد التي تعمل عليها سلطة التنسيق الأمني طيلة سنوات أوسلو الطويلة، لم تنجب غير الوهم لأصحابها، فحين يطرح أحد أركان السلطة أو نخبها سؤال التيه الفلسطيني: لماذا تراجعت مكانة قضيته وتراجع الالتفاف حول عدالتها؟ لا يلتفت لعوامل القمع والفساد الممارس، ولا ينظر لتفاعل الشارع العربي الذي يمثل "أمنه القومي" وعمقه القومي، بل رفع شعار "اتركونا بدنا نعيش".

وعاش التنسيق الأمني، وقتلت السلطة كما النظام العربي أحلام شعوبها في الحرية والكرامة والمواطنة. جزء من وسائل الاعلام والمواقع المستهدفة، تنشط في الداخل الفلسطيني، وترصد نضالات السكان الصامدين منذ النكبة عام 48، وترصد ما تعجز عنه عقلية سلطة فاسدة، مع أن جزءا من هذه المواقع الإعلامية، لها الفضل في تصويب وتأطير نضال الشارع الفلسطيني في الداخل، وتعتبر شوكة في حلق المؤسسة الأمنية الصهيونية، التي فشلت كل محاولاتها في إخراس صوت عرب الـ48، تأتي السلطة لتقوم بما عجزت عنه المؤسسة الصهيونية.

السلطة التي تقف اليوم بوابا لأمن المحتل وفي وجه وسائل الإعلام، لا يعول عليها، فهي ليست المرة الأولى التي تصدر السلطة قرارات المنع والحجب لوسائل إعلام، وتمنع الكتب وتحظر النشر وتمارس التضييق والملاحقة بحق إعلاميين ونشطاء، القائمة طويلة منذ بدء عملها بعد أوسلو. وما أفسدته السلطة في وسائل الإعلام التي تريدها على مقاس النظام الرسمي العربي والمحتل، والمقتصرة على شعار التسحيج لها والإشادة بأنظمة القمع العربي، هو المطلوب إسرائيليا، وبما يرضي الاستبداد والطغيان العربي، وتلك ممارسات قام بها المحتل من قبل من خلال محاولات فرض الأسرلة والتصهين. وما تكشف عنه محاولات التطبيع وفرض صفقات مخزية على الفلسطينيين، لا تتم مواجهتها بوسائل القمع وتكميم الأفواه.

أخيرا، لا تذكرنا الذريعة القضائية لتكميم الأفواه واستهداف حرية التعبير، إلا بنسخة الطاغية العربي الصارخ في وجه الشارع، والرامي لبراميله وصواريخه على مدنه وقراه والممتلئة زنازينه بآلاف المعتقلين. لم يتعظ الطاغية ولم تستفد سلطة تمارس "سيادتها" تحت إجراءات المحتل، بل قامت بخياطة فمها أمام التنسيق الأمني. وكلاء الاحتلال ووكلاء الطغاة عندما يرتجفون من حرية الإعلام، سيكونون أمام المحتل حُجابا جبناء.. بالفلسطيني: "بوابين".

عربي 21