هل دخل الردع الإستراتيجي لإسرائيل موعد “نفاد المفعول”؟

هل دخل الردع الإستراتيجي لإسرائيل موعد “نفاد المفعول”؟
هل دخل الردع الإستراتيجي لإسرائيل موعد “نفاد المفعول”؟

الرسالة نت - وكالات

إلى جانب الاعتراف بالأهمية الحرجة للردع الاستراتيجي، فمن المهم ألا نرفع مستوى التوقعات من نجاح إسرائيل المذهل في هذا المجال. وفي ضوء عمق دافعية أعداء إسرائيل للمس بها، فليس من المتوقع منع استفزازات دائمة لجهات عربية متطرفة أو تطور تهديدات خطيرة. فقد نجح في الماضي، ويعد المستقبل بمسافة بين انفجارات العنف الكبرى، وبشكل عام أيضاً تخفيف حدتها بقدر كبير، ولكنه لا يخلق هدوءاً دائماً، فما بالك لتسليم ثابت بإسرائيل. ورغم وجه الشبه في جوانب عديدة، مطلوب بحث منفصل في الردع تجاه التهديد العربي المعروف والمتواصل، والتهديد الجديد نسبياً لإيران وفروعها.

إن دافع الصراع الدائم ضد إسرائيل مغروس عميقاً في الفشل التاريخي للمجتمعات العربية في التصدي لتحديات القرن العشرين والحادي والعشرين، فهذه المجتمعات تميل لأن تبرر هذا الفشل الذريع بعوامل خارجية واتهام إسرائيل (والغرب بشكل عام) بدلاً من إحداث تغيير عميق في الثقافة السياسية القبلية عندها كي تنقذ نفسها من ضائقتها المستمرة في الزمن الجديد. إن التيار المركزي للنخب ومجتمعها (بما في ذلك القيادات العربية لمواطني إسرائيل) اختاروا رفض شرعية الوجود السياسي اليهودي ويصفون إسرائيل كمشروع استعماري. ويدمن المتطرفون منهم على العنف، ولكن حتى أولئك الذين لا يشاركون في ذلك بشكل مباشر يرفعون عالياً من يمسون بالدولة اليهودية ويؤلمون سكانها، بل وإحياناً يسجدون لهم تماماً.

ولما كان سكان المنطقة العرب يميلون حتى بينهم وبين أنفسهم للاضطرار لوسائل عنيفة ونهج التعددية المتمثل في “عش ودع الآخرين يعيشون” لا يسود في أوساطهم أو في سوريا والعراق وليبيا واليمن وغزة، فلا غرو أنهم يعمدون إلى هذه الوسائل، وبقوة أكبر، في موقفهم من إسرائيل. وهم لا يرتدعون عن ذلك مؤقتاً إلا عندما يخافون من شدة ردود أفعالها.

في التنوع الواسع للمجتمعات العربية فوارق عميقة في الاستعداد لاعتماد وسائل العنف في الصراع ضد إسرائيل؛ فالنظام الأردني يتحفظ على ذلك منذ نحو مئة سنة، ومصر تقيم مع إسرائيل شراكة استراتيجية، وسوريا الأسد امتنعت لعشرات السنين عن مواجهة مباشرة في حدودها. وحتى في أوساط الفلسطينيين، أعطى أبو مازن تعبيراً عن اعترافه بأن المواجهة العنيفة مع إسرائيل تضر قضيته. غير أن كل هذه هشة؛ فقد خرج الأردن لحرب في 1967، لأنه لم يكن بوسعه الصمود أمام ضغوط ناصر، وسمح لـ م.ت.ف العمل من أراضيه حتى “أيلول الأسود” رغم أنه عرض وجوده السياسي للخطر. في مصر كان من شأن نظام الأخوان المسلمين أن يعود إلى صيغة المواجهة مع إسرائيل لو لم يسقط في 2013. سوريا قاتلت ضد إسرائيل عبر أراضي لبنان، حتى عندما امتنعت عن عمل ذلك من حدودها.

المشكلة هي أن العناصر الراديكالية عديمة المسؤولية تعتمد في المنطقة على أرضية جماهيرية مساندة بملايين عديدة. في مجتمع لا يضع في رأس سلم أولوياته جهداً يضمن لأبنائه حياة أفضل فإن القدرة على المس بإسرائيل تشكل لكثيرين بديلاً عن “طعم الحياة”. ومؤخراً تتيح التكنولوجيا المتقدمة له المس الشديد بقلب السكان المدنيين في إسرائيل، وقوة عظمى إقليمية (إيران) تقف من خلف الخطيرين من بينهم.

المعنى بالنسبة لإسرائيل بعيد الأثر: في الأجيال القريبة، لا يمكنها أن تتوقع إلا فترات من الهدوء بين انفجارات العنف والصمود الطويل في وجه استفزازات متواصلة بقوى أقل. فالردع الاستراتيجي يخرج في أفضل الأحوال من دائرة المواجهة العنيفة الأخطر من بين أعدائها والأخطر من بين سيناريوهات الحرب ومسافات بين انفجارات العنف.

في مواجهة هذيانات “السلام في الشرق الأوسط” يدور الحديث، ظاهراً، حول إنجاز مشكوك فيه، وما يجعله مثيراً للانطباع هو حقيقة أن الحاضرة اليهودية ودولتها تثبت منذ مئة سنة فأكثر بأن فترات الهدوء هذه، ورغم الاستفزازات المتواصلة، أنه يمكن بناء مجتمع مزدهر يتعزز باستمرار يشهد أبناؤه عليه بأنه من الخير العيش فيه.

بقلم: دان شيفتن، رئيس البرنامج الدولي للأمن القومي في جامعة حيفا
إسرائيل اليوم 26/11/2019

 

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من إسرائيليات