بعد 13 عاما "أحمد" يحتضن أمه على معبر "ايرز"

غزة– مها شهوان

قطع الطريق ما بين بيت (أحمد) في مدينة غزة ووالدته في رام الله عبر السيارة بالكاد يستغرق ساعة واحدة، لكنها فلسطينيا استغرقت ثلاثة عشر عاما ليس لخلافات عائلية، بل بسبب الانتقام الإسرائيلي من الفلسطينيين بوضعه الحواجز التي تعرقل الحركة وتحرمهم الحصول على تصاريح لدخول غزة أو الضفة المحتلة.

حكاية (أحمد) بدأت حينما ذهبت عائلته قبل الانقسام السياسي إلى الضفة المحتلة لقضاء بعض الأعمال، وبقي وحيدا ينتظر عودتهم، لكن الأوضاع السياسية حالت دون أن يتمكنوا من العودة رغم محاولات الأم العودة إلى غزة لمشاركة ابنها فرحه أو حضور ولادة أي من صغاره لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل.

كبر أحمد، وكبرت عائلته وغزا الشيب شعره، فقد غادرت لتعود ومن حولها ثلاثة أحفاد حفظت ملامحهم من خلال صورهم وحديثها معهم عبر كاميرا الهاتف المحمول.

دوما كانوا ينادونها (تيتا)، أحبت أحاديثهم اليومية كثيرة لكن بعيدا عن شعور الجدة بأحفادها لأنها لم ترهم على أرض الواقع.

أخيرا بعد محاولات كثيرة وصلت أم أحمد إلى قطاع غزة، لتحتضن ابنها كثيرا، فحضنها ولطالما اشتاق إليها في جميع مناسباته سواء تخرجه من الجامعة أو زواجه أو حينما رزق بأطفاله، دوما فرحته ناقصة كما يقول لـ "الرسالة".

أما أحفادها الذين استقبلوها على معبر ايرز، فقبلتهم كثيرا ورددت (كيفك يا عمتو)، نعم نادتهم بـ (عمتو)، فهي لا يوجد لديها أحفاد سواهم ولم تعتد على مناداة أحد في حياتها هناك بـ (تيتا).

في بيت ابنها كانت الأجواء كما العيد، فالمهنئون جاءوا للتهنئة بلم شمل العائلة بعد سنوات، طيلة الوقت يحدق (أحمد) بأمه يتحسس وجهها يقبل يديها، فهو يخشى أن يكون حلما، قضى ليلته الأولى بجانب والدته وهي تحتضن صغاره.

ثلاثة أيام وأفاق (أحمد) من واقعه حينما انقضت مدة التصريح التي حصلت عليها أمه لدخول غزة، ودعها على بوابة إيرز وعيونه معلقة بعودتها مجددا، عاد لبيته يتحسس مكان فراشها ويشم رائحتها في جميع الأماكن التي جلست فيها.

عند توديع (أحمد) لأمه كانت هناك إمراة خمسينية مسيحية، حصلت على تصريح بعد رفضها طيلة الخمس سنوات الماضية تحت ذريعة (منع أمني)، هذه المرة تقدمت بتقارير تفيد بالحالة الحرجة لوالدتها المسنة التي تسكن مدينة بيت لحم.

في الآونة الأخيرة أصبحت (إسرائيل) تمنح التصاريح لسكان الضفة لزيارة أقاربهم في غزة لكن بشكل محدود ولأسباب مقنعة بحد زعمها، كحضور حفل زفاف أو عزاء أو مريض على فراش الموت من الدرجة الأولى.

وتفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي قيودًا صارمة على حركة الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة العام 1967، وتفصل ما بين الضفة، والقدس، وقطاع غزة، وتمنع سكانها من التنقل بين كل منطقة وأخرى من دون تصريح إسرائيلي مسبق، كأحد أساليب السيطرة الاستعمارية المستخدمة تجاه هذه المناطق.

وتعززت هذه القيود بعد فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة منذ العام 2006، في إطار السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى تكريس الفصل بين الضفة والقطاع، بما في ذلك الفصل الديمغرافي الذي نتجت عنه مشكلة حاملي هوية قطاع غزة المتواجدين في الضفة، إذ يتم التعامل معهم إسرائيليًا (كمتسللين) و(مقيمين بشكل غير قانوني) في وطنهم.

قيود الاحتلال على الفلسطينيين كثيرة لتفرقتهم، لكن تبقى امالهم مرفوعة إلى السماء دوما لكسر قوانين الاحتلال.