الانتفاضة الثالثة باتت عنوانا مهما في المرحلة الحالية التي تمر فيها القضية الفلسطينية بأصعب التحديات، خاصة في الضفة التي ما زالت هادئة رغم الأوضاع العاصفة فيها، بطريقة تثير علامات استفهام حول الاسباب والدوافع التي تجعلها هادئة حتى الأن.
ورغم سلسلة الاجراءات التي كانت تكفي واحدة منها في السابق لإشعال انتفاضة إلا أنها مجتمعة لم تؤد لهذه الانتفاضة حتى اللحظة، فقد اندلعت أزمة الحرم القدسي في 2017، ونقلت السفارة الأمريكية للقدس في مايو 2018، وأعلنت صفقة القرن في يناير 2020، ويجري الحديث عن ضم الضفة الغربية مطلع يوليو المقبل، لكن بقيت المواقف الرسمية الفلسطينية باردة وباهتة.
ومع وجود العديد من العوامل التي تفسر عدم نشوء انتفاضة حتى الآن ولكن العامل الأهم والمشترك يبقى وجود السلطة الفلسطينية التي تقمع وتلاحق المقاومة ومازالت متمسكة بعلاقتها بالاحتلال، وتخشى أي مواجهة مفتوحة معه.
وربما يفسر ما صرح به مسؤول فلسطيني لقناة كان العبرية اليوم ذلك فقد قال:" إن طبقت (إسرائيل) خطة الضم بالضفة الغربية، سنسمح بالمظاهرات لكننا لن نسمح بالعمل المسلح"، تصريح يحمل اعترافا ضمنيا بأن السلطة تمنع كل مظاهر العمل المقاوم بما فيه الشعبي السلمي بعكس ما كانت تدعي في سنوات سابقة.
كما يعطي مؤشرا مهما على أن السلطة رغم التصعيد الإعلامي الكبير الذي تبنته خلال الفترة الماضية إلا أنها ترفض أي تصعيد قد يدفع الأوضاع نحو العسكرة والعمليات المسلحة التي حاربتها طوال سنوات وما زالت، فهي ترى أن العمل المسلح سينهي وجودها.
وهناك عدة عوامل مهمة تقف خلف منع نشوب انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية حتى الان:
أولاً: الموقف السياسي للسلطة التي ما زالت ترفض أي مواجهة مع الاحتلال، وحتى بعد قرار وقف التنسيق فإنها ما تزال متمسكة بنهجها السياسي وترفض أي عمل مسلح أو حتى شعبي.
ثانياً: تخشى السلطة أن اندلاع انتفاضة سيحد من نفوذها وربما يؤدي لإنهائها وخروج الأوضاع في الضفة عن السيطرة.
ثالثا: الحفاظ على الامتيازات والمصالح التي يحظى بها قادة السلطة وحركة فتح فهم يخشون من تأثير تدهور الأوضاع على مصالحهم وتجارتهم وامتيازاتهم.
ويتضح ذلك من القرارات والتوجيهات التي رافقت قرارها وقف التنسيق الأمني، حيث أوقفت التنسيق الإنساني بغزة، والبدائل الشرطية بمناطق B،C والتحويلات الطبية واتصالات التجار, إلى جانب وقف عمل قواتها بمناطق C الخاضعة لسيطرة الاحتلال, فيما أبقت على بطاقات VIP لمسؤوليها، ولجنة التواصل مع الاحتلال, مع استمرار اعتقال المقاومين بالجنيد ومنع أي عمل مقاوم.
رابعا: الخوف من سيطرة حماس على الضفة الغربية واشعال المقاومة المسلحة فيها، فقد قال المحلل الإسرائيلي المختص بالشؤون العربية، تسفي يحزكئيلي، إن التنسيق الأمني يعني التعاون بين جيش الاحتلال، وأجهزة أمن السلطة، ضد تنفيذ العمليات.
ولفت المحلل إلى أن "(إسرائيل) ليست الوحيدة التي تستفيد من التنسيق الأمني، بل أبو مازن كذلك، الذي يتلقى معلومات عن تحركات حماس بالضفة من (إسرائيل), وقد تستغل حماس الثغرة لتفجير الأوضاع بالضفة نحو انتفاضة ثالثة.
خامسا: الخوف الجمعي لدى سكان الضفة الغربية من ثمن الانتفاضة الثالثة، بعدما رسخت في ذاكرته الجماعية الثمن الباهظ الذي سيدفعه عقب مواجهة واسعة النطاق مع (إسرائيل)، كما حدث بعد عدوان السور الواقي 2002، فقد دفعت الضفة ثمنا باهظا لانتفاضة الأقصى الثانية.
سادسا: الخوف من الحصار والانفجار وتدهور الاوضاع المعيشية خاصة أن الضفة تحظى باستقرار اقتصادي إلى حد كبير، وتعتمد بدرجة أساسية على العمالة داخل الخط الأخضر والذين يقدر عددهم بحوالي 160 ألف عامل وهناك احصائيات أخرى تقول إن الرقم يصل إلى 200 ألف عامل، يضخون في مدن الضفة وخزينة السلطة ملايين الدولارات شهرياً.