طفلة المحراث..تقلب الأرض لتجني الرزق

غزة- فادي الحسني- الرسالة نت   

لا تقود الطفلة دينا أبو حليمة المحراث الأوتوماتيكي "التركتور" بسهولة، رغم قدرتها على قيادته، فبالكاد يسعفانها راحتيها على احتضان مقوده الذي يبلغ قطره خمسين سنتمتر.

ترتدي الطفلة دينا القاطنة في حي العطاطرة شمال قطاع غزة، لباسا فضفاضا يطلق عليه (أبرهول)، وهو لباسا غالبا ما يرتده عاملو المزارع..لأنها تأتي للمزرعة للعمل لا للنزهة، كما تقول.

ظهر يوم مشمس تفوح فيه رائحة التراب القريب بلونه من الشوكلاته، كانت دينا (13 عاما)، تعد نفسها لقيادة المحراث الأحمر، ذو العجلات الضخمة التي تصل طولها ضعفي قامتها..فتمسك بذراعي "المحراث" الحديديتين وتصعد عبر سلمه المتأكل، وتدور المحرك بعد أخذ تعليمات الحرث من رب العمل، وتجوب الأرض بشكل طولي.

يختلس والدها الخمسيني "زهار" الذي يجلس على أطراف المزرعة، النظر إلى طفلته وهي تعمل على حرث الأرض، وثمة غصة في حلقه، إلا أن الحاجة والمرض اجبراه على قبول هذا العمل لطفلته التي تساعد في إعالة  أسرتها المكونة من ستة عشر فراداً.

وأجبرت الطفلة أبو حليمة على ممارسة هذه المهنة الشاقة، بفعل الأوضاع المادية المتردية، ورغم نحافة بنتيها لكن ضخامة إرادتها تجعلها تقوى على كل المتاعب.

وتعد عمالة الأطفال من أبرز المشاكل التي يعاني منها المجتمع الغزي، ولا أرقام دقيقة عن عمالة الأطفال في الأراضي الفلسطينية، لكن تشير إحصاءات إلى أن الأطفال العاملون يصل عددهم إلى 32 ألف طفل في كل من قطاع غزة والضفة الغربية، جلهم محرم من التعليم.

إلا أن الطفلة أبو حليمة استطاعت أن تمزج بين العمل والدراسة معاً، وعندما تعود من مدرستها لا تلبث كثيرا حتى تأخذ قسطا من الراحة، ثم تتوجه للمزرعة لممارسة حرفتها (حرث الأرض).

وتعمل دينا، فقط في مزرعة تعود لأبن عمها  أكرم في الثلاثين من عمره، حيث تتقاضى في اليوم الواحد ما بين 20- 30 شيكل، وتقوم بمنح هذا المبلغ لوالدها المريض الذي لا يقوى على الإنفاق على أسرته بعد أن أصيب في مناطق متفرقة من جسده، خلال الحرب الأخيرة على غزة مطلع العام الماضي.

ولم تمنع أشعة الشمس دينا من تقليب الأرض بحوافر المحراث  ديناميكيا، والعرق يتصبب من جبينها، وعندما استوقفناها لمحاورتها قالت بصوت خافت: "بحب الأرض كتير..كل يوم بأجي أشتغل في الأرض". وتضيف على استحياء "أنا بعمل علشان اساعد أبوي وأخواتي الصغار".

الطفلة أبو حليمة قمحية البشرة، حاصلة على معدل 80% في الفصل السابع، وهي نسبة تتقارب مع معدل البطالة في قطاع غزة المحاصر منذ أربعة أعوام، في حين تصل نسبة الفقر إلى 60%، وفق إحصاءات.

وتطمح الطفلة إلى أن تحقق معدلا أعلى هذا العام، وتقول إن العمل لن يعيق تحقيق حلمها بأن تصبح إعلامية.

في المزرعة حيث تعمل دينا، لا تسمع سوى زقزقت العصافير وخرير الماء وهدير المحراث عالي الصوت..وفي هذا المشهد الطبيعي تجد ما هو غير طبيعي حيث ترقد دينا كعصفور أنهكه النبش في الأرض بحثا عن قشة، لتستظل بشجرة غير مثمرة، تقلب في كتابها وهي تستريح من عناء العمل.

وأحيانا كما تقول دينا فإنها تضطر لوضع الكتاب على مقود المحراث، أثناء العمل لتراجع دروسها المدرسية.

مع حلول المساء تنزل الطفلة عن المحراث وتحمل حقيبتها استعدادا للعودة إلى البيت، الذي يبعد مئات الأمتار عن المزرعة، وتقول ببراءة لم تقتلها المشقة : "بعد ما ارتاح بحل الواجب وبحضر دروسي، وأوقات ألعب من أخوتي قبل ما أنام".

وفي وقت كان فيه صوت المحراث يدوي في المزرعة ونسمات الهواء تراقص الأغصان المحيطة، كانت دينا تشدو بصوت خافت "كنت قاعدة مرة جوا حوش الدار.. تحت الزيتونة الخضرا جنب إكليل الغار.. كانت أمي الحنونة عم تخبز الشراك".

وتقول دينا وهي تظلل فوق عينيها السوداويين بكفة يدها :"بحب النشيدة هادي لأنها بتذكرني بالأرض.. أحفظتها من قناة طيور الجنة ".

تقتل دينا وقت فراغها أحيانا في القفز على الحبل مع شقيقاتها اللواتي يصغرنها، "بلعب نط الحبل واستغماية..وأحيانا تهرب منهم لمداعبة شقيقها خالد الرضيع الذي تبقى أسبوع واحد على ميلاده الثاني.

وإشعال الشمعة الثانية لــ"الرضيع" وإحياء عيد ميلاده بحاجة لنقود، هكذا تقول دينا وتضيف وحمرة الخجل تعتلي وجنتيها "لو ما كان معي مصاري مش راح اعمل عيد ميلاد لخالد ولا اجيبله هدية".

الطفلة صاحبة الطموح، لا يغنيها كبر تطلعاتها عن تمني زيارة البحر في رحلة عائلية، رغم أنه لا يبعد عن بيتها سوى مئات الأمتار، كما أنه لن يغنيها عن تمني زيارة الملاهي والمتنزهات.

وتشير بعد أن ابتسمت ابتسامة ناقصة كشفت عن ضرسها العلوي المكسور، إلى أنها تطوق شوقا لرؤية الألعاب الآلية في "السندباد" وهي مدينة ملاهي تقع غرب مدينة غزة، والتي لا ينفك صديقاتها عن وصفها ورواية مغامراتهن مع الأرجوحة الكهربائية.

وقالت دينا بعد أن نزلت عن كرسي "المحراث"  "بسمع أنه في الملاهي صاروخ وسفينة وقطار وتمساح..بس ما عمري شفتهم، نفسي أشوفهم وأركبهم، وأروح المنتزه مع صحباتي".

إن أجيز إطلاق اسم جديد لـ"دينا" فربما "طفلة الأرض"، أجدر على أن تلقب به، لاسيما أنها تقضي في المزرعة ما لا يقل عن ستة ساعات يومياً تقضي خلالها العديد من الأعمال، بدءً بحرث الأرض وليس انتهاءً بريها.

ويؤكد حقوقيون أن أزمة عمالة الأطفال تعود إلى ممارسات الاحتلال التي تعيق تمتع الفلسطينيين من نيل حقوقهم المشروعة.

وتظهر إحصائيات أن 53% من أبناء الشعب الفلسطيني هم أطفال تحت سن (18).

وإذا ما قورنت اتفاقية حقوق الطفل وقانون الطفل الفلسطيني، مع الواقع الذي يحياه الأطفال، فيوجد أن هناك فرقا شاسعا بينهما.

مع رفع آذان المغرب، بدأ المساء يحتل المزرعة، فأخمدت دينا "التركتور" إيذانا بالعودة إلى المنزل، وعادت والإرهاق يكبل أطرافها، لكنها ستعود في الغد لرفيقها الاضطراري، والأمل يحدوها بمستقبل مزهر.