تتفاقم في قطاع غزة أزمة غير مسبوقة تمس أحد أبرز مقومات استمرار الحياة اليومية، مع وصول أسعار زيوت المحركات إلى مستويات صادمة، وتحولها من سلعة متوفرة إلى مادة نادرة تُهدد بانهيار منظومات حيوية بأكملها. فخلال أشهر قليلة، قفز سعر لتر الزيت من بضعة دولارات إلى مئات الدولارات، في ظل شح حاد ومنع إدخاله، ما أدخل القطاعات الخدمية في حالة شلل تدريجي.
ومنذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، يعيش القطاع سلسلة أزمات متلاحقة، إلا أن أزمة زيوت المحركات برزت بوصفها الأخطر، نظرًا لارتباطها المباشر بتشغيل المولدات الكهربائية والآليات الأساسية، التي يعتمد عليها السكان في ظل انقطاع التيار الكهربائي الكامل.
أزمة تضرب قلب الخدمات
تعتمد المستشفيات، والمخابز، ومحطات المياه، ووسائل النقل بشكل شبه كلي على المولدات الكهربائية، التي تحتاج إلى صيانة دورية وزيوت خاصة لضمان استمرار عملها. ومع اختفاء هذه المواد أو وصول أسعارها إلى أرقام خيالية، أصبحت هذه المؤسسات مهددة بالتوقف.
في القطاع الصحي، تبدو الصورة أكثر قتامة؛ إذ تعمل المستشفيات بمولدات أُجبرت على التشغيل المتواصل، ما أدى إلى استهلاكها بشكل يفوق قدرتها التشغيلية. ومع غياب الزيوت الجديدة، لجأت الطواقم الفنية إلى استخدام زيوت مستهلكة، وهو حل مؤقت يحمل مخاطر كبيرة على سلامة الأجهزة واستمرارية الخدمة.
وتشير تقديرات فنية إلى أن بعض المولدات تعمل لساعات تتجاوز الحد الآمن، ما يزيد احتمالات الأعطال المفاجئة، ويضع أقسامًا حساسة مثل العناية المكثفة وغرف العمليات تحت تهديد الانقطاع الكامل للكهرباء.
خدمات صحية على حافة الانهيار
لم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود تشغيل المولدات، بل امتدت لتطال خدمات طبية أساسية. فقد اضطرت بعض المستشفيات إلى تقليص خدماتها، بما في ذلك تقليل ساعات جلسات غسيل الكلى، وتأجيل إجراءات طبية، في محاولة للتكيف مع الواقع الجديد.
كما خرجت أقسام طبية عن الخدمة في بعض المراكز الصحية نتيجة تعطل المولدات، في وقت يزداد فيه الضغط على النظام الصحي بفعل استمرار العمليات العسكرية وارتفاع أعداد المصابين.
ولا يقل وضع سيارات الإسعاف خطورة، حيث تواجه خطر التوقف بسبب عدم القدرة على إجراء الصيانة اللازمة، ما يعني أن أي تأخير في الاستجابة قد يتحول إلى تهديد مباشر لحياة الجرحى.
تهديد مباشر للأمن الغذائي والمائي
تمتد آثار الأزمة إلى قطاعات حيوية أخرى، أبرزها المخابز ومحطات تحلية المياه. فالمخابز، التي تشكل المصدر الرئيسي للغذاء في ظل الأوضاع الحالية، مهددة بالتوقف نتيجة تعطل المولدات وارتفاع تكاليف التشغيل.
وفي السياق ذاته، تراجعت قدرة محطات المياه على الإنتاج، مع توقف بعض آليات النقل وخفض ساعات التشغيل، ما يفاقم أزمة الحصول على مياه صالحة للشرب، ويزيد من الأعباء على السكان.
بلديات عاجزة وبيئة مهددة
تعاني البلديات من صعوبات متزايدة في تشغيل آبار المياه ومحطات الصرف الصحي، إضافة إلى تعطل آليات جمع النفايات، ما ينذر بكارثة بيئية وصحية وشيكة. ويؤدي تراكم النفايات وضعف خدمات الصرف إلى زيادة مخاطر انتشار الأمراض، في بيئة تعاني أصلًا من هشاشة شديدة.
قطاع النقل وسلاسل الإمداد في خطر
أثرت الأزمة كذلك على قطاع النقل، حيث باتت المركبات مهددة بالتوقف نتيجة نقص الزيوت وقطع الغيار. هذا التراجع لا يعيق حركة المواطنين فحسب، بل يضرب أيضًا سلاسل الإمداد، بما في ذلك نقل المساعدات الإنسانية.
وتشير المعطيات إلى أن العديد من المركبات خرجت بالفعل عن الخدمة، فيما يلجأ أصحاب الورش إلى حلول بدائية، مثل تفكيك مركبات متوقفة لاستخدام قطعها في إصلاح أخرى، في مشهد يعكس انهيار البنية التقنية.
تحذيرات حقوقية ودعوات للتدخل
في هذا السياق، حذر مركز غزة لحقوق الإنسان من خطورة استمرار القيود المفروضة على إدخال زيوت المحركات وقطع الغيار، معتبرًا أن ذلك لا يستهدف سلعة تجارية فحسب، بل يضرب جوهر الخدمات الإنسانية.
وأكد المركز أن هذه السياسات تهدد بتعطيل المستشفيات، وسيارات الإسعاف، وآبار المياه، والمخابز، وشبكات الإغاثة، مشيرًا إلى أن تعطيل هذه القطاعات يفاقم مخاطر المجاعة والانهيار الصحي.
كما شدد على أن منع إدخال مستلزمات الصيانة الأساسية يشكل انتهاكًا للالتزامات القانونية الدولية، داعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل للضغط من أجل إدخال هذه المواد دون قيود.
نحو سيناريو كارثي
في ظل استمرار الأزمة، تقف غزة أمام سيناريو بالغ الخطورة، حيث تتقاطع أزمة الطاقة مع نقص المواد الأساسية لتصنع واقعًا يهدد بانهيار شامل. فحرمان المولدات من الزيوت، والمركبات من الصيانة، لا يعني فقط تعطل الآلات، بل توقف الحياة ذاتها.
ومع تضاؤل البدائل، يواجه أكثر من مليوني إنسان خطر الانزلاق نحو أوضاع إنسانية أشد قسوة، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن استمرار هذا الوضع سيقود إلى تداعيات يصعب احتواؤها على المستويين الصحي والبيئي.