صورتان لا ثالث لهما سوى حسرة استقرت في قلب المقدسي نضال الرجبي، صورتان يقف بينهما، واحدة كتب أسفلها قبل الهدم، والثانية بعد الهدم!
الجرافة الإسرائيلية تُكمل نخرها في جدران الملحمة، يشعر نضال أن النخر وصل عظامه هو، انهالوا عليه ضربًا حتى يمنعوه من مقاومة الهدم، وصلتنا بحة صوته وهو يصرخ "الله أكبر"، إلى أن تحولت الجدران إلى ركام!
في القدس، بدأ صباح الثلاثاء بمحاصرة لحي البستان في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، استنفر الجميع بعد البدء بتفريغ محتويات "ملحمة الخليل" وهو محل تجاري يعود للمقدسي نضال.
نخرٌ للجدران والعظام!
الرصاص المطاطي وقنابل الغاز والصوت ألقيت بكثافة تجاه السكان، ما أدى لإصابة عدد منهم بجروح وبالاختناق، في حين ألقى الرجبي بجسده فوق مصدر رزقه الذي بات ذكرى وأثرا!
قوات معززة من شرطة الاحتلال ترافقها جرافات بلدية الاحتلال في القدس اقتحمت، صباح الثلاثاء، حي البستان بالتزامن مع انتهاء المهلة لهدم 17 منزلا بعد أن رفضت لجنة التنظيم والبناء منحها التراخيص، بحسب ما أفاد مركز معلومات وادي حلوة.
آليات ثقيلة وجرافات تقدمت نحو ملحمة الخليل، هذا الثقل تختزل عائلات البلدة أضعافه في قلبها وهي تنتظر دورها في تنفيذ قرار الهدم!
هدم ذاتي!
قبل شهرين من حادثة هدم محل نضال جاء ضابط شرطة إسرائيلي تسبقه فرحته ليؤكد للمقدسي أن محله سوف يهدم، وطلب منه في ذلك الوقت أن يكون الهدم ذاتيًا!
كيف يمكن للإنسان أن يهدم أحلامه بيديه، أن يوثق تلك اللحظة وصوت الركام يخترق أذنيه؟، ثم من أين يأتي الصغار بقدرة على استيعاب كل هذا القهر!
رفض نضال وقتها ذاك الطلب، واليوم أيضًا يكرر رفضه لقرار هدم دكانه، ويطلب من جميع أهالي الحي رفض الهدم الذاتي.
وكانت المهلة التي حددتها بلدية الاحتلال لهدم 13 منزلًا في حي البستان من أصل 17 بحجة أنه ينطبق عليهم قانون "كامينتس" لهدم منازلها ذاتيًا، قد انتهت يوم الأحد الماضي.
تغير صوت صاحب الملحمة، وملامحه التي وصلتنا عبر مقاطع فيديو تغيرت هي الأخرى حين قال: "بلش الهدم، هدموا المحل!"
ظل ثابتًا رغم غصة قلبه، يدرك أن هذه الأنفة تزعج عدوه، تابع بالقول: "هذا جزء من الضريبة اللي لازم ندفعها كلنا كفلسطينيين".
"ملحمة الخليل" لم تكن مجرد دكان يعتاش منه نضال وأسرته، حيث نبه بأن المحل الذي هدمته جرافات بلدية الاحتلال يعيل قرابة 15 فرداً منذ حوالي 10 سنوات، وفي عام 2016 أصدرت البلدية قرار الهدم، وفرضت على العائلة مخالفة بناء قيمتها 20 ألف شيكل.
لجس النبض والإعداد للمراحل القادمة لهدم باقي المنازل هو الأمر الذي سعت إليه بلدية الاحتلال من هدم المحل في البستان، كما يرى كل من عضو لجنة الدفاع عن أحياء سلوان، أماني عودة والناشط فخري أبو دياب.
مآذن المساجد في بلدة سلوان شاركت هي الأخرى في التصدي لمعركة الهدم حيث صدحت بالتكبيرات تزامنًا مع اقتحام قوات الاحتلال للحي، في حين أكدت جميع العائلات المهددة بيوتهم بالهدم "لما نهد بيوتنا بايدينا بنعطيهم فرصة لهدم بيت ثاني، وهذا أمر مرفوض".