"كعك القدس" تاريخ وهوية عتيقة يحاربها الاحتلال

غزة – مها شهوان

بمجرد ذكر مدينة القدس سرعان ما تستحضر الذاكرة رائحة الكعك المقدسي ومذاقه المميز، فأهل قطاع غزة ومن لا يمكنه الوصول إلى تلك البقعة العتيقة يتمتم دوماً "ساق الله على كعك القدس"، فهو سيد المائدة المقدسية على وجبة الإفطار، والهدية الساخنة التي يحملها الزوار لعوائلهم حين عودتهم للبيت.

لكن الكعك المقدسي بمذاقه وشكله الذهبي لم يسلم هو أيضاً من الاحتلال الإسرائيلي، فهو يحاول مصادرته ونسبه إليه، وينغص على أصحاب الأفران ويلاحقهم لأنه يدرك جيداً أنه جزء من عبق المدينة وتراثها وشاهد على عروبة بلدة صمدت في وجه الغزاة.

عرفت مدينة القدس الكعك منذ زمن الدولة الأيوبية، وأخذ شكله الحالي في عهد العثمانيين فترة القائد سليمان القانوني حين كان لزوجته تكية، لا تزال حتى اليوم قرب باب المجلس، فإلى جانب الطعام كان يعد الكعك المقدسي الذي بقي متوارثاً عبر الأجيال.

وداخل المدينة القديمة التي تشهد أحداثاً ساخنة خلال ملاحقات جنود الاحتلال لثوار القدس، هناك حرب خفية يقودها الجنود أيضاً ضد أصحاب أفران الكعك وعددها حوالي 35، وأشهرها " فرن مجدي أبو سنينة، وأبو علي الشهير، وحجازي".

يحكي المؤرخ المقدسي فخري أبو دياب أنه خلال صلاة الفجر في المسجد الأقصى تتسلل رائحة الكعك إلى صفوف المصلين الذين يهرعون بعد صلاتهم ليشتروا منه وتناوله على الفطور خاصة من الأفران القريبة من باب حطة.

وما يميز تلك الأفران ملاصقتها للأقصى، حتى أن حجارتها القديمة هي ذاتها التي تحيط بالمسجد، ودوماً يغلقها الاحتلال تحت حجج واهية ويفرض الضرائب على أصحابها، كما يقول أبو دياب "للرسالة".

ويذكر أنه مع تفاقم اعتداءات الاحتلال ضد المسجد الأقصى ورواده، لا تريد (إسرائيل) رؤية الكعك في الأقصى وتشن حرباً قديمة جديدة ضد رمز من رموز القدس، مؤكداً أنه رغم محاولات سلطات الاحتلال ملاحقة أصحاب الأفران إلا أن لسان حال المقدسيين يقول "سنبقى نأكل الكعك في بيوتنا وفي مسجدنا، ونقول لمن يريد منعه موتوا بغيظكم".

وبحسب أبو دياب فإن الاحتلال يحارب أي رمز يدلل على الهوية العربية والإسلامية وحتى البيئية لمدينة القدس، لأنه بلا تاريخ، فيسعى لسرقة التراث والمقدسات وحتى المأكولات التي يتوارثها الأجيال خاصة أفران الكعك التي بقيت منذ عشرات السنين تحتفظ بطرازها المعماري العتيق.

ويقول: "أفران الكعك تعد شريان حياة للمقدسيين، لذا يحاول الاحتلال خنق اقتصاد المدينة عبر تلك الأفران التي يعمل فيها عدد كبير من أبناء المدينة"، متابعاً: من أشهر العائلات المختصة في صناعة الكعك المقدسي "حجازي وسنينة والحشيم".

ويؤكد أبو دياب أن ملاحقة الاحتلال لأصحاب الأفران لا يتوقف عند فرض الضرائب فقط، بل ترغم الورثة على إغلاقها بحجة وفاة صاحبها، كما تلجأ بلدية الاحتلال إلى سحب الترخيص من أصحابها أو فرض رسوم باهظة على تجديد الرخصة للورثة.

كما يجد ورثة الأفران صعوبة في ترميمها، ويتعرضون لغرامات مالية باهظة في حال لجؤوا لتنفيذ إصلاحات داخلية، إلى جانب تقديم الشكاوى ضدها بدعوى التسبب بالأدخنة في المناطق السكنية، والقول لأبو دياب.

ورغم المنغصات التي يفرضها الاحتلال على أفران الكعك وبائعيه، إلا أن القرص الذهبي التي يشبه أشعة الشمس ستبقى رائحته ومذاقه الشهي يروي تاريخ المدينة المقدسة وهويتها ويغيظ الاحتلال.