شهير بخادم الأقصى

الحاج المقدسي أبو سنينة: "كل واحد بعرف شو معنى الوطن بتمنى يكون من غزة"

غزة- رشا فرحات

يكلمنا وبيده مكنسة يكنس بها درجات باب الرحمة، أنفاس سنوات عمره تتلاحق وتظهر في صوته عبر الهاتف، ولكنه لا يريد أن يحمل أحد عنه حمله، ولا أن يأخذ أحدهم دوره.

"ما تقولي متطوع، أنا خادم الأقصى" هكذا رد علينا الحاج فضل أبو سنينة 73 عاما، حينما أطلقت عليه وصف متطوع بالأقصى، فهو خادم الأقصى وليس متطوعا، وهذا أحب الألقاب إلى قلبه.

منذ بدأت أحداث باب الرحمة في 13 يوليو 2020، وحينما أصدرت محكمة إسرائيلية قرارًا يقضي بإغلاق مصلى باب الرحمة، فيما أعلنت دائرة قاضي قضاة فلسطين والهيئة الإسلامية العليا ومجلس الأوقاف والشؤون الإسلامية ودار الإفتاء في القدس رفضها القرار، منذ ذلك الوقت وأبو سنينة يحمل على كتفيه واجب الرباط في باب الرحمة.

يستيقظ أبو بلال قبل الفجر، يحضر نفسه ويدثر جسده بدفء الأقصى وينطلق وحده أو برفقة زوجته أحيانا، إلى مصلى باب الرحمة، يحضر الشاي والقهوة والزهورات قبل أذان الفجر، ويصلي فجره ثم يبدأ بتوزيع الدفء على المصلين هناك.

الجميع يحفظ وجه العم أبو سنينة، ويحفظ له ما يفعله وهو الذي يظل على حالته تلك حتى صلاة العشاء، يؤديها ثم يعود إلى منزله الواقع في باب حطة، وبين باب حطة وباب الرحمة حكاية عمر طويل من قصص الصبر يذكرها أبو سنينة جيدا.

يروي أبو سنية لنا يومياته، التي تتشابه أمام مستمعها. يرى نفسه بأنه أسعد الناس حالا، فقد من الله عليه بكل هذه السعادة لخدمة الأقصى، ويطمح أن يظل هكذا مرابطا في باب الرحمة إلى أن يأخذ الله أمانته، فيدفن ما فعله في باب الرحمة معه، شفيعاً لابن الأقصى البار.

 

يدور الحاج أبو بلال على المصلين في مصلى باب الرحمة، في اعتكاف واظب عليه منذ تفجرت قضية باب الرحمة، يوزع أكواب الشاي الدافئة على الجالسين في دفء المجلس، أو على بوابته تحت المطر.

لأبو بلال ستة أبناء وابنة واحدة، ثلاثة منهم مغتربون عن فلسطين، ويقول إن أهم ما مر عليه خلال سنوات رباطه الأخيرة هي تلك الأحداث التي تأججت في رمضان الماضي لأجل القدس، وما نتج عنه من انتصار غزة لأجل القدس فردد في مكالمته معنا: "ريتني واحد من أولاد المقاومة، ياريتني كنت معكم".

فقد ابنه أحمد  26 عاما عينه في أحداث رمضان الماضي في باحات الأقصى، بينما كان يدافع عنه ويدفع المقتحمين عنه ولا زال حتى اللحظة يعاني من تبعات إصابته الخطيرة.

يرى أبو سنينة أن باب حطة مستهدف، فيصبر على البقاء والرباط ناحيته، حتى لا يتعرض للإغلاق مرة أخرى، ويغري السامعين قائلا: "تعالوا إلى باب الرحمة، مين ما بيجي راح أكرمه وأشربه شو ما بده".

أفنى الحاج أبو بلال عمره في أعمال البناء، قصر بيوتاً كثر في القدس المحتلة، وطلا جدراناً أكثر، وربى أبناء ما بين مرابط ومهاجر ومصرّ على البقاء، ثم اتخذ قراره بالالتصاق بالأقصى فإما حياة هناك أو موت على باب الرحمة.

أُبعد مرتين وفي كل مرة كان يغيب أسبوعين، ثم يعود ويصنع قهوته وشايه، وكأن العدو يراهن على أن يغير البعد ما في نفوس عشاق الأقصى، لكنه لا يفعل!!  فيعود أبو سنينة أقوى.

يقول لك إذا سألته عن أحدهم حرصا وخوفا على المرابطين أمثاله: "أنا لا أعرف أحدهم، أعرف فقط نحن مصلون ومن حقنا الرباط والصلاة في الأقصى، لا نملك سلاحاً مثلكم يا أهل غزة، لو كنا زيكم، كان الوضع تغير".

يشهق بلهفة وهو يختم كلامه قائلاً: "لو اني معكم يا أهل غزة.. كل واحد بيعرف شو معنى الوطن والأقصى والشهادة بتمنى من الله أنه يكون من أهل غزة".