تحقيق استقصائي للرسالة

مستشفى خالد الحسن.. شبهات فساد بالجملة وأموال التبرعات تتبخر

الرسالة نت- محمود فودة

فتحت قضية وفاة الطفل، سليم النواتي، مريض السرطان من غزة، ملف التحويلات الطبية من جديد، خاصة في ظل رفض المستشفيات الحكومية والخاصة في الضفة الغربية استقباله بذرائع مختلفة، كما أعادت قضية مستشفى خالد الحسن للواجهة.

بعد 6 أعوام من تدشين الحجر الأساس لإنشاء مستشفى خالد الحسن المتخصص في علاج الأورام، وجمع ملايين التبرعات تكشفت الحقيقة: إن كل ما جرى كان مجرد حبر على ورق ولم يلقَ المشروع أي تحرك على الأرض.

الهيئة المستقلة: ردود السلطة على الاتهامات باهتة ولا تدلل على اهتمام   

"الرسالة" حاولت البحث عن مصير الأموال التي رُصدت لصالح المستشفى، وكذلك الأجسام والهيكليات التي شُكلت للعمل عليه، خاصة مع ارتفاع تكاليف تحويلات مرضى السرطان وحديث المستشفيات عن مديونات عالية مستحقة لها على السلطة تتعلق بالملف.

أرض المستشفى

وبحسب الرواية التي حصلت عليها "الرسالة" من مصادر بالضفة الغربية، فإن رجل الأعمال الراحل حسيب الصباغ اشترى حوالي 240 دونماً من أراضي سردة قرب رام الله، ليقام عليها مستشفى وخدمات طبية حديثة وشاملة.

وأُوكل الأمر إلى الجمعية العربية الطبية، وما إن أعلن رئيسها الدكتور أمين ثلجي بشرى إنشاء مستشفى ضخم بتعاون ألماني وفنزويلي على الأرض، لاحق متنفذون الجمعية حتى تمكنوا من حلها عام 2015 رغم تنازلها عن 127 دونمًا للمصلحة العامة ولإقامة مشاريع وطنية.

وزيرة الصحة: من المبكر الحديث عن خالد الحسن ونعمل على وضع خطة

وبعد حل الجمعية، جرى الكشف عن عرض لبيع بعض الأراضي التي خصصتها للمشروع شركة "عمار" التابعة لصندوق الاستثمار الفلسطيني، وبالفعل بيعت 70 قطعة لإقامة فلل وسكن خاص.

 وخصصت السلطة نحو 40 دونمًا من الأرض لبناء "قصر الضيافة" بقيمة 13 مليون دولار، الذي تحوّل بعد الانتهاء منه إلى مكتبة وطنية بعدما أجمع خبراء أمريكيون على أن موقع القصر يسهل اختراقه أمنياً.

وبعد بحث وتقصٍ عن شركة "عمار" ومشروعها المسمى "تلال سردا" وجدت "الرسالة" أن قطع الأراضي معروضة للبيع، لبناء فلل للسكن الخاص، وتبلغ مساحة كل قطعة 500 متر، بقيمة ربع مليون دولار للقطعة، لتبلغ قيمة الأراضي المعروضة للبيع في دفعتها الأولى 17.5 مليون دولار أمريكي، ستكون لصالح صندوق الاستثمار.

وتُظهر الخارطة المنشورة على موقع شركة عمار المخططَ التفصيليَّ للتلال التي سبق الاستحواذ عليها، ومن ضمنها قصر الضيافة، ومستشفى خالد الحسن، وما تبقى من الأرض اقتُطع جزء منها لصالح مشروع تلال سردا، وتبقت مساحات أخرى خضراء حتى تحديد مشاريع جديدة لها.

أصل السرقة

وبالعودة لبدايات الحديث عن إنشاء المستشفى، فإنه في العام 2016 م كتب المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار "بكدار" الذي كان يرأسه محمد اشتية في حينه، أنه يعكف على إقامة مستشفى خالد الحسن للسرطان وزراعة النخاع، على أراضي بلدة سردا قرب رام الله بتكلفة تقريبية قدرت بـ 140 مليون دولار، وهي لا تشمل تكاليف المعدات الطبية.

منيب المصري: مبلغ تبرعات المستشفى "مش مستاهل"

وكتب المجلس على موقعه الإلكتروني إن إنشاء مستشفى بهذه الضخامة يشكل نقلة نوعية في مستوى الخدمات الطبية الفلسطينية المقدمة لمرضى السرطان في فلسطين، ويوفر قرابة 80% من فاتورة العلاج المخصصة للسرطان في الخارج.

والأهم من ذلك أنه سينهي معاناة المريض الفلسطيني في الانتقال عبر حواجز الاحتلال وتعقيدات الحصول على تحويلة طبية، وسيقلل معاناة أسر المرضى كذلك.

وبعد وقت قصير، وضع الرئيس محمود عباس في شهر يونيو من العام ذاته حجر الأساس لمركز خالد الحسن لعلاج أمراض السرطان، وكلف "بكدار" بتنفيذ المشروع والإشراف عليه. ومنذ تلك اللحظة شكل المجلس فريقاً هندسياً يعمل إلى جانب فريق طبي لإدارة الملف والتخطيط لهذا المشروع الضخم.

نقابة الأطباء: الحكومة تتحمل مسؤولية التأخير وحجة التمويل غير منطقية

بعد عام ونصف تقريبًا، وفي نهاية شهر فبراير 2018، أطلق "بكدار" المرحلة الأولى لإقامة المستشفى وهي مرحلة الحفريات، التي تزامنت مع المرحلة الأخيرة من إنجاز التصاميم النهائية للمركز.

وحازت شركة "brothers" للمقاولات والتعهدات العامة على عطاء الحفريات بعقد قيمته تقارب 3 ملايين دولار أميركي، وقدرت طواقم "بكدار" كمية الحفريات بـ394 ألف متر مكعب من الصخر والتراب.

وفي نهاية شهر نيسان/ أبريل تمت دعوة ائتلافات لمكاتب اقليمية- عالمية لتقديم عروضها الفنية والمالية لتصميم المشروع. تتكون هذه الائتلافات من مكتب إقليمي، ومكتب عالمي، ومكتب محلي بحيث تكون نسب العمل 50%، 40%، 10%على الترتيب.

وحصل عرض تقدم به ائتلاف دار العمران الأردنية- جون كوبر البريطانية- مركز الهندسة والتخطيط الفلسطيني على أفضل تقييم مالي وفني، انتهى بتسلمه المشروع للبدء في تنفيذه، فيما بلغ المقابل المادي لهذا التصميم الهندسي والإشراف 2.47 مليون دولار وغُطي المبلغ بمنحة من البنك الإسلامي للتنمية بقيمة مليوني دولار، وغطت تبرعات المواطنين باقي المبلغ.

مصدر "للرسالة": مخططات المستشفى التي كلفت 2.47 مليون دولار أصبحت لاغية

وكان من المفترض أن يتم البناء على قطعة أرض من تلال قرية سردا شمال رام الله، على مساحة تبلغ 52 ألف متر مربع للموافق الطبية بحيث يتسع لـ208 أسرّة، أما المرافق التابعة من مصافَّ للسيارات ومغسلة ومطبخ وكافتيريا ستكون على مساحة 48 ألف متر مربع أخرى.

تباين في الأرقام

وأثناء البحث والتحري، تفاجأ معد التحقيق باختلاف رقم تكلفة المشروع على مدار الأعوام الماضية، كما أظهرت تصريحات اشتية تباينًا في تلك التكلفة، إذ ذكر قبل توليه رئاسة الوزراء وحين كان رئيسًا لبكدار عند وضع محمود عباس لحجر الأساس عام 2016 أن المستشفى يكلف 260 مليون دولار، كما ورد في تصريح مسجل.

لكن ذلك الرقم تغير في يناير من العام الجاري ليصبح 160 مليون فقط أي بنقص 100 مليون دولار، فيما تعلن بكدار على موقعها الرسمي أن تكلفة المشروع هي 140 مليون دولار.

وبالعودة إلى فبراير 2020، قرر مجلس إدارة مؤسسة خالد الحسن لعلاج أمراض السرطان وزراعة النخاع المباشرة بتنفيذ مشروع مستشفى خالد الحسن للسرطان بموازنة تقديرية تبلغ حوالي 100 مليون دولار أمريكي، بعد أن صدر مرسوم رئاسي بتشكيل شركة تحت اسم "شركة مستشفى خالد الحسن لعلاج أمراض السرطان وزراعة النخاع".

الهيئة المستقلة قررت تشكيل لجنة من نقابة الأطباء ومؤسسات المجتمع المدني لمتابعة القضية

وقرر المرسوم أن يكون صندوق الاستثمار الفلسطيني ومؤسسة خالد الحسن المساهمين الرئيسيين في الشركة على أن يدعو بعدها الشركات الاستثمارية والبنوك والمستشفيات الأهلية والخاصة للمساهمة في توفير المال اللازم فورياً.

التباين الكبير في الأرقام لم تفصح السلطة عن سببه ما يفتح باباً للتساؤل والشكوك حول نواياها ويفتح مجالاً لشبهات الفساد. 

تغير المخططات

وفي وقت لاحق، قرر مجلس إدارة المؤسسة تقليص حجم المستشفى وتكلفته في فبراير 2020. وقال المجلس إن فريق العمل المكّلف انتهى من العمل المطلوب على المخططات السابقة لمستشفى خالد الحسن للسرطان والتي جهزتها سابقاً شركة استشارية بتكليف من مؤسسة بكدار لتوائم المخططات الجديدة، حسب قرار مجلس الإدارة، بما يسمح ببناء المستشفى على مراحل، على أن يتم التأسيس لإمكانية التوسع في المستقبل.

وأضاف المجلس أنهم جهزوا تصاميم الطوابق التحت أرضية للمستشفى وحصلوا على موافقة وزارة الحكم المحلي للبدء ببناء هذه الطوابق، وحالياً يتم إعداد عطاءات لبناء هذه الطوابق التي تراجعها حالياً المؤسسات المالية الدولية المموّلة.

"الرسالة" وجدت أثناء البحث اختلافاً في رقم تكلفة المشروع على مدار الأعوام الماضية

كما أعلنت الإدارة الانتهاء من الحصول على موافقة وزارة المواصلات على الدراسة المرورية الخاصة بالمشروع، مع العلم أن الشركة بصدد الانتهاء من الإجراءات التنظيمية الخاصة بقطعة أرض المستشفى ليتم بناء المستشفى عليها بمبنى يصل إلى 12 طابقاً فوق الأرض ليخدم أية خطط مستقبلية لتوسيع المستشفى.

وحسب التقرير المقدم من المدير المالي ومدقق الحسابات الخارجي المعتمد، جُمعت تبرعات بقيمة حوالي 9 ملايين دولار، بالإضافة إلى تلقي دعم من البنك الإسلامي للتنمية بقيمة مليوني دولار أمريكي كتمويلٍ لتصاميم المشروع. هذا بالإضافة إلى تقديم الدولة أرض المشروع بمساحة 20 دونماً في منطقة سردا شمال مدينة رام الله.

 مع العلم أن الإدارة تؤكد أن جميع هذه الأموال والأصول لا زالت في الحسابات البنكية الخاصّة بالمؤسسة، ولم يُصرف منها سوى التزامات العقود التي أُبرمت في الفترة السابقة لتولي مجلس الإدارة الحالي لمسؤولياته وشملت التصاميم وأعمال الحفريات.

وكشف مصدر حكومي مسؤول بالضفة الغربية لـ"الرسالة" أن المخططات التي أعدتها المراكز البريطانية والأردنية والفلسطينية ودُفع مقابلها مبلغ 2.47 مليون دولار أمريكي أصبحت بلا قيمة أو فائدة، بعد أن خضعت المخططات لتغيير كامل، لتكون بتكلفة أقل.

وأوضح المصدر -رفض الكشف عن هويته- أن المهندس ورجل الأعمال عماد جابر تكفل بوضع تصاميم جديدة على نفقته الخاصة، لبناء مستشفى بتكلفة تقل عن 100 مليون دولار أمريكي.

ما يعني أن ما يزيد عن مليوني دولار من تكلفة المشروع، التي كان يجب أن تصب في خدمة المرضى، ذهبت أدراج الرياح دون محاسبة رغم أن ذلك يتطلب التدقيق كونه يقع ضمن إهدار المال العام.

مراسيم قوننة السرقة

وكان الرئيس محمود عبّاس قد أصدر مرسومين رئاسيّين بخصوص مؤسسة خالد الحسن. الأوّل في 27/11/ 2018 يقضي بتشكيل مجلس إدارة لمؤسسة خالد الحسن لعلاج السرطان وزراعة النخاع ويكون برئاسة محمد مصطفى وعضوية كل من رئيس ديوان الرئاسة، ووزير الصحة، ونقيب الأطباء، وصبيح المصري، وسهيل الصباغ وهاشم الشوا وطلال ناصر الدين ومالك ملحم.

وينص المرسوم الثاني في 30 يناير 2021 مرسوم رقم 2 لسنة 2021، على أن تساهم المؤسسة في إنشاء مستشفى متخصص لعلاج السرطان في فلسطين بالشراكة مع صندوق الاستثمار الفلسطيني والقطاع الخاص. وعليه، باشرت المؤسسة بإنشاء الشركة المتخصصة تنفيذاً للمرسوم الرئاسي الذي يحدد جميع التفاصيل المتعلّقة بالمؤسسة وبالشركة.

وبناءً على المرسوم الرئاسي ذي الصلة، فإن مؤسسة خالد الحسن هي مؤسسة غير ربحية، تهدف إلى العمل على جمع التبرعات المالية من المتبرعين والمانحين داخل وخارج فلسطين؛ لدعم توفير الخدمات العلاجية لمرضى السرطان في فلسطين.

وكذلك المساهمة النقدية والعينية في الشركة بعد تأسيسها لإنشاء وتمويل وتطوير وتشغيل المستشفى، واستخدام العوائد الناتجة عن مساهمتها في الشركة للمساهمة في توفير العلاج للمرضى غير المقتدرين مادياً، ممن تنطبق عليهم شروط التغطية، وبالتنسيق مع وزارة الصحة.

ما يمكن توفيره بإنشاء المستشفى

ويعد بناء مستشفى خالد الحسن للأورام بمثابة حبل نجاة للكثير من المرضى بالسرطان الذين يزيد عددهم بواقع 180 إصابة شهريًا في قطاع غزة، و3191 حالة خلال العام في الضفة الغربية، فيما ستوفر السلطة 100 مليون دولار سنوياً، وفق إحصاءات رسمية.

ما يعني أن السلطة -بتأخيرها إنشاء مركز الحسن لأكثر من 6 أعوام- ساهمت في إهدار أرواح وأموال بأضعاف التكلفة المرصودة للمشروع.

وتنفق السلطة الفلسطينية 266 مليون دولار سنوياً على بند "شراء الخدمة" من خارج مرافق وزارة الصحة، ثلث هذا المبلغ يذهب لعلاج السرطان، بحسب بيانات الوزارة 2020.

وبدلاً من الاستمرار في مشروع خالد الحسن، اتجه صندوق الاستثمار الفلسطيني إلى تطوير المراكز الطبية التابعة له، وكان أولها في 9 إبريل 2019 بافتتاح قسم علاج أمراض السرطان والدم وزراعة النخاع العظمي في المستشفى الاستشاري العربي بحضور عباس، وبحجم استثمار بلغ 4 ملايين دولار.

وخلال البحث والتقصي، وجدت "الرسالة" أن قيمة التحويلات الطبية خارج مرافق وزارة الصحة الفلسطينية، التي تسمى بشراء الخدمة، بلغت عام 2020 مبلغ (825.722.254) شيكل أي ما يفوق الـ 250 مليون دولار أمريكي.

كما بلغت التحويلات الطبية كعدد 80.020، بانخفاض بلغت نسبته 23.7% عن نسبة التحويلات عام 2019، حيث كان عددها 104.881 تحويلة، فيما كانت عام 2018 109.818 تحويلة بمبلغ قيمته 945 مليون شيكل.

ويُتوقع أن تكون قيمة التحويلات الطبية لعام 2021 بقيمته 900 مليون شيكل، أي بزيادة تبلغ 75 مليون شيكل عن عام 2020، ويرجع مسؤول التحويلات الطبية سابقا هيثم الهدري ذلك إلى ظروف جائحة كورونا وارتفاع عدد المحتاجين للعلاج خارج وزارة الصحة.

ووجب التنويه هنا أن هذه البيانات تختلف عن الموثقة في التقارير السنوية لوزارة الصحة، التي تعكس التكاليف بحسب قائمة أسعار الخدمات الطبية المتفق عليها مع مزودي الخدمات خارج مستشفيات وزارة الصحة.

 ولا تعكس هذه الأسعار التكاليف الفعلية للخدمات الطبية والخدمات المساندة التي تلقاها المرضى المحولون. ويرجع السبب عادة إلى أن هؤلاء المرضى قد يتلقون خدمات صحية خارج نطاق الخدمات المنصوص عليها ضمن تحويلاتهم الطبية.

وتشير البيانات إلى وجود فروقات كبيرة بين التكاليف الفعلية والتكاليف الموثقة في تقارير الوزارة. فمثلاً بلغت التكاليف الفعلية لعام 2016 حوالي 876 مليون شيكل فيما بلغت التكاليف الموثقة في التقارير حوالي 440 مليون شيكل.

من المستفيد

الإحصائيات السابقة تقودنا إلى المستفيد من هذه التحويلات والعوائد منها في المستشفيات الخاصة في الضفة الغربية المحتلة، ولعل ذلك سيوصلنا إلى الذي يقف وراء دفن مشروع مستشفى خالد الحسن إلى الأبد.

وفي مقدمة هذه المستشفيات، يأتي المستشفى الاستشاري العربي وهو مستشفى خاص في ضاحية الريحان في مدينة رام الله بالضفة الغربية، وتأسس عام 2016، ويُعد أكبر وأضخم المستشفيات الخاصة في فلسطين. يضم المستشفى 100 سرير، وتتوفر فيه كل الأقسام التخصصية، وتحوّل إليه السلطة كل المحسوبين عليها من قيادات ومسؤولين للعلاج.

أما مستشفى النجاح الوطني الجامعي فافتُتح عام 2012 لخدمة المرضى من محافظات الشمال وقطاع غزة. وتشمل الخدمات العلاجية المقدمة في المستشفى: علاج أمراض الكلى، والأورام، والقلب وجراحة القلب، والأمراض الباطنية، والجراحات العامة والتخصصية والطوارئ.

وحسب تحقيق سابق أعدته "الرسالة" فإن المعطيات والإحصائيات أكدت تحويل أكثر من 40% من حالات قطاع غزة إليه.

تضاعف حجم التحويلات السنوية إليه تسبب في شكوى من العديد من المستشفيات العاملة في الضفة الغربية من عدم تحويل الحالات إليها برغم تخصصها.

وفي أحد البيانات الصادرة عن وزارة المالية برام الله ردًا على مطالبات مستشفى النجاح بديون مستحقة على الحكومة، فإن مجموع المبالغ التراكمية التي صُرفت للمستشفى منذ العام 2014 وحتى 2021 بلغ 602 مليون شيقل وذلك مقابل الخدمات الطبية التي يقدمها المستشفى".

تشير الإحصاءات قطعياً الى أن عدد التحويلات مع بداية تعاقد وزارة الصحة الفلسطينية مع مستشفى النجاح في يونيو من العام 2013 وحتى نهاية العام ذاته بلغ 192حالة، في حين تضاعف الرقم وأخذ منحىً تصاعدياً ليصل في العام 2015 م إلى عشرة أضعاف ذلك الرقم، المقدر بـــــ 2136 حالة.

ومع البحث، تبين أن مستشفى النجاح بدأت باستقبال الحالات الطبية المحولة من وزارة الصحة في يونيو 2013م وهو الشهر الذي تسلم فيه الدكتور رامي الحمد الله مهام رئاسة الوزراء، رغم أن المستشفى بدأت العمل فعليًا مع نهاية العام 2012م بحسب المعلومات المنشورة على موقع المستشفى.

الصحة لا تجيب

وتحاول وزارة الصحة الدفاع عن موقف السلطة، حيث قالت إن التبرعات المالية التي جُمعت لإنشاء مركز خالد الحسن لعلاج السرطان وزراعة النخاع هي موجودة ومحفوظة في حساب بنكي خاص بمؤسسة خالد الحسن.

وقالت في بيان "لقد تم عمل المخططات الهندسية للمشروع بسعة 250 سريراً، وتكلفة تقديرية بقيمة 160 مليون دولار".

وأضافت "نتيجة لعدم توفر الأموال اللازمة لإنشاء المشروع، جُمد في الوقت الحالي، وتعمل الوزارة والحكومة على توفير الدعم المالي لإنشاء المركز، وعلى مراحل لخدمة المرضى".

معد التحقيق حاول، أكثر من مرة، التواصل مع وزيرة الصحة مي كيلة، التي باتت رئيس مجلس إدارة مؤسسة خالد الحسن بموجب المرسوم الرئاسي الصادر في 30 يناير 2021، إلا أنها لم تجب على مكالمات "الرسالة".

وبعد طول انتظار، أرسلت الوزيرة رسالة نصية لمعد التحقيق كتبت فيها: "بكير على موضوع خالد الحسن، نحن بصدد إعداد تقرير مالي مع خطة"، وبعدها عاودت "الرسالة" الاتصال بالوزيرة للاستيضاح أكثر لكنها لم تتلقَّ رداً.

النقابة ترد

يبدو واضحاً حجم الصراع المباشر القائم بين نقابة الأطباء ووزارة الصحة حول حقوق العاملين في القطاع الصحي، بينما يحتل مشروع مستشفى خالد الحسن جزءاً من هذا الصراع، في ظل محاولات النقابة البحث عن أسباب توقف المشروع بهذا الشكل، برغم أهميته.

وفي التعقيب على ذلك، قال الدكتور رمزي أبو يمن الناطق الإعلامي باسم نقابة الأطباء لـ"الرسالة" أنه شُكلت لجان ومجالس إدارة بمشاركة نقابة الأطباء، إلا أن النقابة لم تُدْعَ لأي اجتماع بخصوص مشروع خالد الحسن منذ بدايته وحتى يومنا هذا.

وأضاف الدكتور أبو يمن أن النقابة حاولت مراراً وتكراراً نبش القضية إلا أنها كانت تصطدم بجدار من الإهمال والإغلاق للموضوع من الجهات المختصة لا سيما وزارة الصحة، بدعوى أن المشروع ما يزال قائمًا، لكن على أرض الواقع فإن المشروع قد دفنته السلطة.

وأوضح أن النقابة أرسلت مخاطبات لوزارة الصحة دون أي رد بالخصوص، إلى أن اتجهت النقابة إلى تشكيل جسم نقابي وأهلي بعيداً عن الحكومة للوصول إلى الحقائق بما يؤدي إلى بدء المشروع بصورة ملموسة على أرض الواقع.

حقوق المواطنين

الحاج فضل عابدين أحد المتبرعين لإنشاء المستشفى قال إن المشروع استراتيجي والأهم منذ نشأة السلطة، وكان من المفترض البدء فيه منذ اللحظات الأولى، إلا أن السلطة اكتفت بالمخططات والحفريات.

وأضاف في تصريح لـ"الرسالة": حتى لو أن الأموال المجموعة قليلة مقارنة بالتكلفة الإجمالية للمشروع، كان يجب البدء بالاعتماد على أموال الدول المانحة للقطاع الصحي، مشيراً إلى أن الأموال المجموعة كانت تسمح بالبدء بالمراحل الأولى.

أما رجل الأعمال منيب المصري، الذي تبرع بمبلغ مليون دولار لصالح المشروع، فقد قال لمعد التحقيق في مقابلة عبر برنامج زوم "Zoom": "المبلغ مش مستاهل كل هالحكي، ما حد سرق اشي، المصاري موجودة وإن شاء الله بتم استكمال المشروع، والله يرحمه خالد الحسن، في مواضيع أهم منه".

آلاف المواطنين تبرعوا بأموالهم ويوميات عملهم في الحكومة والمراكز الخاصة لصالح إنشاء المستشفى، الذي لم يظهر منه سوى الحفريات والمخططات اللاغية، واليوم وبعد مرور 6 سنوات على التبرع، بات السؤال حول مصير الأموال، وكيف سيجري التعامل معها من مؤسسة خالد الحسن أو صندوق الاستثمار الفلسطيني.

"الرسالة" حملت التساؤلات ووضعتها على طاولة الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ممثلةً برئيسها عمار دويك، الذي قال بدوره: "يحق لكل مواطن فلسطيني تبرع بمبلغ مالي مهما كان قدره، أن يسائل الأطراف التي جمعت الأموال عن مصيرها.

وأضاف دويك في مقابلة مع معد التحقيق عبر "زوم" أن الهيئة خاطبت وزيرة الصحة أكثر من مرة، للتساؤل عن مصير المستشفى، على مدار السنوات الماضية، ومنها ما كان عام 2019 وكان الرد بعد أسبوعين تقريبًا من إرسال المخاطبة، بأن الموضوع تحت المتابعة والمشروع ما زال قائمًا.

وأوضح أن الهيئة المستقلة قررت بالمشاركة مع نقابة الأطباء وعدد من المؤسسات الأهلية تشكيل لجنة خاصة لمتابعة آخر تطورات ملف المستشفى مع الجهات المعنية.

وأكد أنه بحسب المعطيات على الأرض، فإن أياً من الخطوات لم تنجز لصالح المستشفى، وكاد أن يكون شيئاً من الماضي لولا قضية الطفل النواتي، والضجة الإعلامية والشعبية التي أُثيرت حول التبرعات الخاصة به، مبيناً أن ردود السلطة على الاتهامات باهتة ولا تدلل على اهتمام.  

وبيّن أن المشروع يجب أن يستكمل وهذه أولوية كل الداعين لهذه القضية، لما له من فائدة وطنية وطبية لصالح المواطن الفلسطيني، وكذلك المصلحة العامة على الصعيد المالي أيضًا، بسبب التكلفة العالية للتحويلات الطبية التي تُصرف من خزينة الدولة سنوياً.

ويبقى السؤال: هل سيكون مصير مشروع مستشفى خالد الحسن كغيره من المشاريع التي ذهبت أدراج الرياح؟ أم ستتمكن مؤسسات المجتمع المدني مدعومة بالموقف الشعبي من الضغط على السلطة لتنفيذ أكثر المشاريع أهمية في تاريخها، خاصة أنه سيمثل نقلة طبية مهمة وسيساهم في إنقاذ أرواح عشرات المرضى.