الوريث الوريث

تحقيق الرسالة

أفرزها التعليم عن بعد.. "شٍلل" من طلبة يبتزون أقرانهم إلكترونياً

غزة – مها شهوان

فرضت جائحة كورونا واقعاً جديداً على مختلف مناحي الحياة في العالم كله، بما فيها قطاع التعليم، فانتقلت الدروس الوجاهية إلى الفصول الافتراضية، مما فرض على كل طالب وطالبة توفير هاتف ذكي لتلقي المواد التعليمية المختلفة.

بعض الطلبة استغلوا توفر الهواتف الذكية للدخول إلى عالم التواصل الاجتماعي "سوشيال ميديا"، فكانوا فريسة سهلة لأصحاب النفوس الدنيئة، كما حدث مع الطالبة "علا" – اسم مستعار- في الصف العاشر، التي سحبتها صديقتها إلى مجموعات للتعرف على شباب بحجة الصداقة.

بعد أيام من التعليقات على المجموعة، تعرفت "علا" على شاب عشريني أوهمها بالحب والزواج وأنه سيساعدها في متابعة دروسها التي تستعصي عليها، وكانت تقضي ساعات طويلة تتحدث إليه حتى وثقت به، وأقنعها بإرسال صور غير لائقة لها، فاستجابت له بحجة أنه زوجها المستقبلي، كما أخبرها.

حكايتها لم تكمل الشهر، فرغم أن البداية كانت "عسلاً" إلا أن نهايتها كانت "بصلاً". بدأ الشاب بابتزازها وتهديدها حال لم ترسل له المال، مما اضطرها لسرقة والدتها التي تمتلك محلاً تجارياً.

نهاية كل يوم كانت الأم تتفقد خزنتها، لتكتشف أن الربح اليومي ينقص في المساء رغم البيع الوفير، وبعد مراقبتها اكتشفت أن صغيرتها سرقت حوالي ألف دولار وعقداً ذهبياً وسلمتها للشاب مقابل امتناعه عن نشر صورها.

"علا" ليست الوحيدة التي أساءت استخدام التكنولوجيا بحجة التعليم الإلكتروني، فهناك العشرات من الحالات وثّقت بعضها الشرطة، وأخرى لجأت إلى مؤسسات المجتمع المدني طلباً للحماية، وشملت تلك الحالات ذكوراً وإناثاً، الأمر الذي دفع "الرسالة نت" لتسليط الضوء على هذه القضية بهدف الوقوف على كيفية معالجتها عبر جهات الاختصاص.

الاستهزاء بزملائهم ومدرسيهم

حالات كثيرة تعامل معها المرشدون التربويون في المدارس الحكومية، وكل حالة تختلف عن الأخرى إلا أن ما يجمعها هو كون أعمار الجناة لا تتجاوز السادسة عشر، ومن أبرزها تلك التي تنقلها "الرسالة نت" على لسان أحد المرشدين حين جاءه طالب في المرحلة الثانوية يبكي خوفاً من ذويه.

 

مرشد تربوي: بأسماء مستعارة يستهزئ طلبة بأقرانهم

 

يصف المرشد الطالب بأنه متفوق ويتميز بخلق عال، لكن ما فعله به زملاؤه لا يخطر على بال، فقد دشنوا صفحة على الفيسبوك باسم فتاة ووضعوا صورة لها ثم بدأوا بمحادثته بهدف الإيقاع به تدريجياً، بل وتسجيل المحادثات التي يجرونها معه.

بداية كانوا يرسلون له عبارات غرامية، وصوراً مختلفة لفتاة ثم طلبوا منه تصوير نفسه، وحين استجاب لهم كشفوا له الحقيقة وخيروه ما بين الفضيحة أو الاستجابة لمطالبهم. برر هؤلاء فعلتهم بأنهم كانوا يختبرون أخلاقه، وأكدوا له أنه فشل في الاختبار وبالتالي فمن السهل وقوعه في فخ العمالة.

فزع الطالب كثيراً وأخبر المرشد بما جرى وهو يبكي خوفاً، فهدّأ من روعه ولامه على فعلته، ثم أحضر الطلبة وأجبرهم على مسح المحادثات والتسجيلات، وإلا سيوصل قضيتهم إلى الشرطة.

وفي السياق ذاته، تعامل طلال الإسى، المرشد التربوي، داخل مجموعة مخصصة أنشأها في "الواتساب"، مع العشرات من الطلبة خلال فترة جائحة كورونا، وذلك لإدراكه المسبق باحتمال وقوع مثل تلك المشاكل في فترة الحظر المنزلي وتلقي التعليم عبر فصول افتراضية.

يخبر الإسى "الرسالة نت" أنه أنشأ المجموعة وأضاف 650 طالباً إليها، ولفت نظره في البداية أنهم يعرّفون حساباتهم بواسطة رموز أو أسماء مستعارة الأمر الذي صعّب عليه التعرف عليهم عندما كانوا يتنمرون على أقرانهم.

وذكر أن توفر الأرقام والايميلات وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي الشخصية دفع العشرات من الطلبة للتواصل بشكل سلبي، موضحاً أن بعض الطلبة استخدموا الكلام الجارح والبذيء ضد أقرانهم، وحاولوا تشويه صور بعضهم.

وأشار الإسى إلى أن تنمر بعض الطلبة تجاوز أقرانهم ليصل إلى مدرسيهم مستفيدين من قدرتهم على استخدام برامج حديثة، فكانوا يضعون صور بعض مدرسيهم بطريقة مضحكة على التيكتوك، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن هؤلاء المدرسين كان يتحرجون من تقديم شكوى ضد الطلبة.

مجموعات التنمر الإلكتروني

ومنذ بداية جائحة كورونا تنبهت وزارة التربية والتعليم لخطورة إعاقة العملية التعليمية وقت الحظر المنزلي، فلجأت إلى تجربة التعليم الإلكتروني، كما تقول، عبير الشرفا، رئيس قسم الصحة النفسية، ليتمكن الطلبة من متابعة دروسهم، وكانت الصفوف الافتراضية الوسيلة الوحيدة لاستكمال العام الدراسي بسلاسة.

 

"التعليم": طلبة ينقلون تنمرهم من الواقع إلى الصفوف الافتراضية

 

وذكرت الشرفا أن التعليم الإلكتروني جعل في يد كل طالب جهازاً محمولاً لمتابعة الدروس، وفي المقابل ظهرت الكثير من المشاكل بين الطلبة، فباتوا يدخلون مواقع يفترض ألا تكون متاحة لهم، عدا عن أنهم باتوا أكثر خبرة في التنقل بين مواقع التواصل الاجتماعي، فنجم عن ذلك الكثير من المشكلات.

ومن أبرز المشاكل التي وصلت التعليم وتعامل معها المرشدون، ذكرت أن بعض الطلبة شكلوا مجموعات مخصصة للتنمر الإلكتروني سواء على زملائهم أو على مدرسيهم، مشيرة إلى أن الطلبة استخدموا هذه الوسائل لابتزاز أقرانهم.

وتطرقت إلى مشكلة واجهت التعليم الالكتروني أن بعض الطالبات استخدمن تطبيقات التواصل الاجتماعي للتسويق لأنفسهن في مواقع مختلفة بتشجيع من الأهالي كأن تنشر الطالبة صورها وتتحول إلى "موديل" لكسب المال ومن ثم تقع ضحية ابتزاز من ضعاف النفوس.

ولفتت الشرفا إلى أن الطلبة الذكور شكلوا "شللية وعصابات" من خلال مجموعات عبر الفيسبوك أو الواتساب فقد كانوا يقتحمون صفحة أي طالب للتنمر عليه ويستولون على صوره ويتلاعبون بها بواسطة برنامج "الفوتوشوب".

وبحسب قولها، فإن مشاكل جديدة بين الطلبة استحدثتها مواقع التواصل الاجتماعي، مما دفع وزارتها للانتباه والتواصل مع الأهالي بواسطة المرشدين التربويين لمنع الطالب من سلوك الطرق غير المشروعة، لافتة في الوقت ذاته إلى أن الوزارة تمكنت من ضبط استخدام الطلبة للجوال خلال العملية التعليمية، كما نظمت ورش عمل لتوعية الأهالي والانتباه لأولادهم.

وعن الآليات التوعوية التي انتهجها التعليم مع الطلبة فيما يتعلق بالتعليم الإلكتروني والحد من عملية الابتزاز بين الطلبة، أشارت إلى أن هناك حملة توعوية لا تزال مستمرة في المدارس تساهم في الحد من استخدام التكنولوجيا وتوجيه الطلبة بشكل صحيح وللارتقاء بالعملية التعليمية.

 الضحايا والزواج المبكر

ولمؤسسات المجتمع المدني دورٌ في متابعة ما يجري من ظواهر تطرأ على المجتمع الغزي، حيث الحملات التوعوية وحل المشكلات بين الطلبة ولا سيما التي تنتج عن التعليم الإلكتروني، ومنها جمعية الثقافة والفكر الحر التي عملت على استقبال تلك المشاكل سابقاً في جائحة كورونا.

 

أخصائية نفسية: أهالي ينقذون بناتهم من المشاكل الإلكترونية بالزواج المبكر

 

التقت "الرسالة نت" الاختصاصية النفسية هويدا الدريملي، لتحكي عن أبرز الحالات التي وصلتها من مشكلات خلّفها التعليم عن بعد.

تقول الدريملي إن الجائحة فرضت واقعاً جديداً، فظهرت الحاجة إلى التعليم الإلكتروني وهو بدوره ساهم في سهولة وصول الهواتف المحمولة للصغار بعدما كانوا يستخدمون أجهزة ذويهم، فبات الصغار يتنقلون بين مواقع التواصل الاجتماعي بحجة التعليم.

وأشارت إلى أنه لا يمكن القول إن التعليم الإلكتروني يفتقر للإيجابيات، لكن لا بد من التعريج على السلبيات التي وقع فيها الطلبة، موضحة أن اقتناءهم للهواتف الذكية شكل خطراً عليهم وعرّضهم للابتزاز الإلكتروني.

ومن أبرز الملاحظات التي مرت عليها في هذا المجال أن هناك حسابات شخصية لطالبات يضعن  صورهن للتعرف على بنات الفصل أو المدرسة أكثر، ثم يضفن بعضهن ثم يتبادلن الصور، لكن الأخطر هو وجود فتيات متخصصات بإنشاء صفحات بأسماء صديقاتهن ووضع صورهن الشخصية ويتحدثن مع الشباب مما يوقع صديقاتهن في مأزق ويتم تهديدهن للاستجابة لأنواع مختلفة من الابتزاز.

وتوضح الدريملي أن الطالبات فترة جائحة كورونا وما نجم عنها من عنف أسري دفعهن للبحث عن ملاذ عبر مواقع التواصل الاجتماعي فأي كلمة معسولة كانت توقع بهن.

ولفتت إلى أن بعض المراهقين كثيراً ما يشغل اهتمامهم الأمور الجنسية، وتوفر الهواتف الذكية سهل عليهم ذلك. وعندما يبحثون عن صفحات متخصصة مشبوهة فإنهم يقعون في الفخ، وبعدها يقعون فريسة لابتزاز أصحاب النفوس الدنيئة، إناثاً وذكوراً، ومطالبتهم بإرسال المزيد من صورهم بأوضاع مخلة، بهدف الابتزاز المالي.

ونوهت الدريملي إلى أن مركز الثقافة والفكر الحر نظم حملة "صحوة" لمساعدة العشرات من الفتيات اللاتي وقعن ضحية الابتزاز الالكتروني سواء المادي أو الجنسي أو محاولة استجوابهن عن معلومات تتعلق بالمقاومة لإيقاعهن في فخ العمالة خاصة لفتيات تتراوح أعمارهن ما بين 13 و 14 سنة.

وبحسب قولها، فإن كثيراً من الأهالي الذين يرفضون تقديم شكاوى إلى الشرطة لجأوا إلى مؤسسات المجتمع المدني التي بدورها تتواصل مع جهات الاختصاص وبسرية تامة، لافتة في الوقت ذاته إلى أن هناك أهالي لا يتقبلون ما جرى مع بناتهم، فتكون ردة الفعل سلبية، كما وقع عدة مرات، كأن يجبروها على ترك الدراسة أو الزواج في سن مبكر رغم إدراكهم أنها بريئة ولا علاقة لها بما وقع، بينما عقوبة الذكور أخف فسواء كان ضحية أو جانياً فعقابه يقتصر على سحب الهاتف منه وحرمانه المصروف لأيام.

السرية في نقل الإفادات

وبسرية تامة، تعاملت الشرطة مع ضحايا التعليم الإلكتروني، كما تقول العقيد مريم البرش مدير دائرة الأسرة والطفولة، وفي هذا الإطار نظمت حملة توعوية عن مخاطر الإدمان على الانترنت وسوء استخدامه استهدفت طلبة المدارس الذكور والإناث، بالإضافة إلى تسليط الضوء على الابتزاز والجرائم الإلكترونية خاصة بعد التعليم الإلكتروني الذي فرضته جائحة كورونا.

 

حماية الأسرة: كثير من ضحايا الابتزاز الإلكتروني سرقوا أموالاً من ذويهم
 

وتطرقت خلال حديثها "للرسالة نت" إلى أن الطلبة الذين انتظموا في التعليم الالكتروني اضطروا لاستخدام الواتساب والتصفح عبر الإنترنت واستغلوا ظروف التعليم ليتعرفوا على بعضهم البعض من خلال الأرقام المتاحة في المجموعات التعليمية.

وأوضحت أن عملية التعارف كانت تتم بين الطلبة ذكوراً وإناثاً عبر رقم الواتساب والماسنجر لتبادل الصور فكان الطلبة الذي يسلكون الطريق غير السوي يبتزون أقرانهم وينتحلون شخصيات غير حقيقية للإيقاع بزملائهم وابتزازهم.

وعن طريقة الابتزاز التي لاحظتها وفريقها في التعامل مع مشاكل الطلبة ذكرت أنها تبدأ بالتهديد بالصور وإرسالها إلى ذوي الضحية في حال لم يستجب المجني عليه لمطالب أقرانه، فتضطر الضحية للسرقة من أسرتها فينكشف الأمر.

ونوهت إلى أن كثيراً من الطالبات لجأن إلى دائرتها طلباً للمساعدة بعيداً عن ذويهن خشية الفضيحة، ويكون تتبع الموضوع بسرية تامة، مشيرة إلى أنه قد يتطلب الأمر ذهاب الشرطيات إلى المدرسة لأخذ إفادة الطالبة بعد الاستعانة بالمرشدة النفسية، وتأكيداً على السرية تؤكد أن الشرطيات يذهبن بأزياء مدنية وبأسماء وهمية للضحايا.

وأكدت أن الحالات كانت تزداد وقت الإغلاق التام والاعتماد الكلي على التعليم عن بعد.

وتحكي قصة لإحدى الطالبات كانت في الصف الحادي عشر وتنتمي لعائلة فقيرة اضطر والدها أن يحضر لها هاتفاً محمولاً للدراسة، لكن إحدى زميلاتها استدرجتها للتعرف على مجموعة شباب حين كانت تتحدث إليها بشكل عادي وحين وثقت بها أرسلت لها صورها بأوضاع مخلة، ثم أقدمت الصديقة على إرسال رقمها وصورها لشباب وبدأت مرحلة الابتزاز والتهديد.

حاولت الضحية أن توفر المال للشباب مرتين وفي الثالثة لم تستطع، خاصة أن وضع والدها المادي ضعيف، مما اضطرها لإخبار معلمتها التي تواصلت مع الجهات المختصة لحل المشكلة وتم الوصول للشباب والفتاة التي أسقطتها وإرجاع المبلغ ومعاقبتهم.

وفي ذات السياق ذكرت البرش أنه في حال كانت المشكلة التي تعرضت لها الطالبة كبيرة تضطر الشرطة لإبلاغ ذويها.

وعرضت عبر "الرسالة نت" رقم التواصل السري لكل من يقع ضحية الابتزاز الإلكتروني (0595928803 واتساب) لاستقبال الشكاوى الإلكترونية.

ورغم العشرات من الطلبة الذين أخفقوا في استعمال مواقع التواصل الاجتماعي للوصول إلى فصولهم الافتراضية، إلا أن هناك عدد أكبر من الطلبة الذين تعاملوا بطريقة إيجابية مع التعليم عن بعد فحصدوا الدرجات العليا دون مشاكل.

واليوم بات عدد كبير من الطلبة أكثر وعياً في متابعة دروسهم عبر الإنترنت وذلك بعد الورشات والحملات التوعوية التي قادتها مؤسسات المجتمع المدني أو وزارة التربية والتعليم.