لماذا تخشى (إسرائيل) جنازات الشهداء؟

غزة– مها شهوان

بداية، ورث الاحتلال (الإسرائيلي) تركة من النظم والقوانين العنصرية عن الانتداب البريطاني، وذلك لقمع الفلسطينيين أحياءً أو أمواتاً، لتؤدي الغرض العنصري والقمعي الذي قامت من أجله منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

ومن ضمن الانتهاكات العنصرية التي ورثتها (إسرائيل)، احتجازُها جثامين ورفات مئات من الشهداء الفلسطينيين فيما يسمى "مقابر الأرقام" منذ 1967، وارتفع ذلك بوتيرة غير مسبوقة في السنوات الأخيرة خاصة في انتفاضة القدس 2015 وباتت جثامين الشهداء توضع في ثلاجات المعهد الشرعي (الإسرائيلي) أبو كبير.

ولم يقتصر التعدي على احتجاز الجثامين فقط، بل إن سلطات الاحتلال تضع شروطاً للإفراج عن تلك الجثامين ولا سيما التي تعود لمقدسيين، فتسلم الجثمان لذويه في وقت متأخر من الليل وتفرض عدداً محدوداً جداً من المشيعين، كما تشترط عدم رفع العلم الفلسطيني أو ترديد الهتافات الوطنية.

ويندرج ذلك ضمن سياسة العقاب الجماعي التي تهدف إلى محاولة ردع الفلسطينيين عن مقاومتهم وعقاب عائلة الشهيد وحرمانها وداعه وتشييعه بطريقة تليق به.

ولأن الاحتلال اعتاد على انتهاكاته ضد الفلسطينيين دون أن يحرك المجتمع والمحاكم الدولية ساكنا، بقي يواصل عنصريته دون توقف ويسن قوانين تشرعن قراراته غير الإنسانية.

ومن الأوامر التي لم يستغنِ عنها الاحتلالُ تبرزُ المادة 119 من لوائح الطوارئ البريطانيّة التي تخوّل القائد العسكريّ هدم منازل الفلسطينيين كـ"عقاب" على مشاركتهم في النضال، والمادة 133 التي تُمَكِّنُه من احتجاز جثامين الشّهداء.

تحول الجنازات لمظاهرات

يقول حسين شجاعية منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء إن الاحتلال يخشى من جنازات شهداء القدس والـ 48 بسبب تحولها إلى مظاهرات وطنية كبيرة لذا يفرض شروطه ويتعمد الإفراج عن الجثامين في وقت متأخر من الليل.

وذكر شجاعية "للرسالة نت" أن من يخالف شروط الاحتلال في تشييع جثامين الشهداء يفرض عليه غرامات مالية تصل إلى 30 ألف شيكل.

وأوضح أن الاحتلال يتعنت في فرض شروطه على أهالي شهداء القدس أكثر من الضفة التي تخضع مدنها للسلطة الفلسطينية.

وأشار إلى أن المختصين بمتابعة ملف الشهداء المحتجزين يوجهون مراسلات لجهات الاختصاص (الإسرائيلية)، وفي حال الرفض فإنهم يتوجهون إلى المحكمة العليا.

ويرى أنه بسبب انسداد الأفق في إحراز أي خطوات إيجابية في هذا الملف يواصل الاحتلال فرض شروطه وقيوده في الإفراج عن جثامين الشهداء وتشييعها، وذلك بعدما ربط الملف بجنوده المحتجزين في قطاع غزة.

وبحسب متابعة شجاعية للملف، فإن عدد جثامين الشهداء المحتجزة منذ انتفاضة القدس 2015 هو 104 شهداء آخرهم داوود الزبيدي الذي ارتقى شهيدا قبل أيام برصاص الاحتلال، ومن بين المحتجزين تسعة أطفال، وثلاث سيدات وسبعة أسرى.

وفي السياق ذاته، تقول والدة الشهيد عبد الحميد سرور المحتجز منذ خمس سنوات إن سلطات الاحتلال أبلغتها بدفن جثمان ابنها فيما يسمى "مقبرة الأرقام".

وتضيف: "أهالي الشهداء المحتجزين يشعرون بالألم طيلة فترة الاحتجاز، والإفراج عن جثامين أبنائهم وتشييعهم يرفع معنويات الأهالي".

وتصف أن تشييع الشهداء المحتجزين يشعر أهاليهم بقيمة وكرامة الشهيد، متمنية أن يكون هناك دعم أكبر لأهالي الشهداء المحتجزين وتكثيف المشاركة في وقفات المطالبة بالإفراج عن الجثامين والمشاركة في الجنازات المهيبة.

ويجدر الإشارة إلى أن توجه الفلسطينيّين برفع دعاوى للمحاكم الإسرائيليّة لاستعادة جثامين الشهداء يعود إلى مطلع التسعينيات، وأمام هذه الدعاوى المتعاقبة، قدم الاحتلال أحد تبريرين لمواصلة الاحتجاز: الأول أنّ مراسم تشييع الشّهداء قد "تُهدّد الأمن وسلامة الجمهور (والمقصود هنا الجنود والمستوطنون)، وبالتالي فإنّ الإفراج عنهم منوطٌ بشروطٍ على الجنازات، والثاني أنّ احتجاز الجثامين يفيد في محاولة مقايضتها برفات جنود إسرائيليين أو بمعلوماتٍ عن مصير جنود مفقودين.