بعبع توجيهي

رشا فرحات

أنا بصفتي أم لطلاب خرجوا من عنق الزجاجة بنجاح في التوجيهي، لدي كثير من الملاحظات في عملية التوجيهي ككل، ملاحظات تتعلق بالطالب وأخرى بالمنظومة التعليمية والتربوية والتي لاحظتها في هذه المرحلة.

أولها أن التوجيهي سنة حاسمة فعليا، لا يحصل فيها على المعدل المرتفع إلا من درس في اليوم الأول من العام بنفس الدرجة حتى اليوم الأخير، والفلاسفة المتشدقين بجملة:" والله ما كنت أدرس" ثم تراه وقد حصل على امتياز مع مرتبة الشرف، كاذب، ولا أحد يحصل على امتياز بدون دراسة، إلا إذا كان ممن ينزل عليه الوحي، وتوجيهي ليست سنة "حظك بختك" ولا سنة ظالمة، كما يدعي البعض، وأنت لست نبيا، ولكنها سنة حاسمة وحقيقية فعلا، فهي تعطي كل واحد على حسب تعبه.

الملاحظة الثانية المتعلقة بالمنظومة التعليمية التي كانت تماطل، وسياسة الترفيع الآلي التي ترفِّع الطالب من الصف الأول حتى الصف الثاني عشر، عن طريق الغش، وبقانون داخل التربية والتعليم ينص على الموافقة على ذلك الترفيع!  والتي جعلتني أقابل طلابًا في الصف الحادي عشر لا يعرفون كتابة اسمهم، وقد سبق وأن أعددت تحقيقًا صحافيًا عن طلاب يعانون صعوبات التعلم، وقد وصلوا إلى صفوف عالية ولا زال لديهم مشاكل في القراءة، كيف وصلوا إلى الصف الثاني عشر، لا أعرف!!

الملاحظة الثانية وهي سياسة زيادة علامات من قبل الأساتذة ليتخلصوا من وجه الطالب الراسب، أو ليرفعوا نسبة درجاتهم كمعلمين لدى إداراتهم ومشرفيهم في وزارة التربية والتعليم.

هؤلاء المعلمون هم من خانوا الرسالة لأنهم عملوا على تربية جيل كامل على فكرة إمكانية النجاح ببعض الدراسة وبإمكانياتهم البسيطة المتواضعة، أو على الأقل متناسب مع جهودهم في الأعوام السابقة، وظنوا أن هذا ما سيحدث في الثانوية العامة أيضا ثم تفاجأوا بأنهم رسبوا! لأنهم لم يتعودوا إلا على النجاح السهل ولم يتعودوا على النحت في الصخر!

وعدم الثقة في هؤلاء التربويين المقصرين هي من أفرزت لنا لاحقًا سياسة السرية التامة في تصحيح أوراق التوجيهي، والتحفظ على رؤية أسماء الطلبة أثناء التصحيح، ببساطة التربية والتعليم ليس لديها ثقة كاملة في نزاهة المعلمين!

لذلك فأنا أرى أن عملية تصحيح التوجيهي وطريقة إعلانها، بكل سياستها ونهجها، هي عملية صحيحة مائة بالمائة، على الأقل في ظل هذه المنظومة التعليمية المتهالكة، لأنني ما قبل الثانوية العامة، قابلت معلمات ومعلمين، كانوا يتعاملون مع الطلبة بانحياز " فقوس، وتفاح، وفجل " وابن المعلم يعطى الدرجات العالية، وابن الأب الذي يتبرع للمدرسة يراعى ابنه في كل العلامات، وقد سمعتها من إحدى الطالبات "هذه فائدة أن تكون أمك معلمة في نفس المدرسة التي تدرس فيها"!!

طريقة التوجيهي المرعبة، في الامتحانات، والتصحيح، هي أنسب الطرق في مجتمع لا نثق في عمليته التعليمية والتربوية في كل السنوات السابقة، والتوجيهي هي الفرصة الوحيدة لكشف كل الحقائق.