الشهيد محمد صدقة: لا حياة قرب الجدار  

الشهيد صدقة
الشهيد صدقة

رشا فرحات

أول أمس شيع المئات من أبناء رام الله جثمان صبي آخر، ركضت والدته حافية القدمين إلى مستشفى رام الله لتكذب الخبر، وتنسج في مخيلتها قصة جديدة محبوكة بحبكة الأمهات، ولتحمله معها وتعود إلى البيت، تغطيه في فراشه، وتعود إلى غرفتها، وهي مغمورة بالفرح، لأن كل الأقاويل عن الموت، كانت كذباً.

لكن خبر استشهاد محمد عودة صدقة ابن السبعة عشر كان حقيقة، رغم توسلات أمه بأن يعيدوه معها إلى البيت، كانت تنظر إلى وجوه المتجمهرين حولها وتقول: "أنا ما صدقت وهو يكبر، روحوه معي!".

في الزاوية كان الأب يبكي بصمت، وكان بدوره يتخيل شكل الأعمار القادمة التي ستتغير برحيل ابنه.

في قصة وفاة الصبي كثير من التفاصيل، أولها رصاصة المحتل الذي يقنص أطفالا وشبابا يعيشون في منطقة التماس، ويقتلهم بدم بارد بين لحظة وأخرى، وثانيها التردي في الخدمات الطبية التي تقدمها السلطة الفلسطينية للقرى في قضاء رام الله والبيرة وهذا ما حدّث به شهود العيان.

فقد جاء في شهادة الشاب الذي عمل على إسعاف الصبي الشهيد: "كان عودة يسير مع رفاقه بجانب الجدار العازل الذي يتوسط قرية "المدية"، قضاء رام الله، هرب الجميع وأصابته رصاصة في صدره، نزفت دماؤه كلها رغم محاولتنا إسعافه بنقله من سيارة إلى أخرى".

يكمل الشاب، الخدمات الصحية المقدمة للقرى سيئة للغاية، خرجنا بالشاب حتى وصلنا به إلى مستشفى رام الله، بعد مشي على الأقدام واستغرق الأمر ساعة بانتظار سيارات الإسعاف التي لم تصل إلى القرية".

في سيارة الأجرة، حاول أحد الشباب إسعافه بخبرة بدائية ومساعدته على التنفس عن طريق الفم، لكن الشاب طلب من مسعفه التوقف قائلاً: "يكفي أنا سأستشهد!".

وهكذا أضيف رقم جديد اسمه محمد عودة صدقة، وعمره سبعة عشر، وكان كغيره من عصافير القرى المختنقة بجدار الفصل العنصري، يحلم بالطيران، وباختراق كل الحجارة والأزمنة للوصول إلى حلم واحد مشترك بين شباب فلسطين، وربما سيكمل الرفاق الأحلام من بعده، فالأحلام زاد الضعفاء والفقراء والمظلومين.