الوريث الوريث

مقال: مسؤولو السلطة هدف للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية

الحقوقي والأكاديمي الفلسطيني عصام عابدين
الحقوقي والأكاديمي الفلسطيني عصام عابدين

الرسالة نت

الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب تجعل المسؤولين الفلسطينيين هدفاً للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية

يُخطىء المسؤولون الفلسطينيون إنْ تصوروا أن لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة (10 خبراء) يمكن أن تتجاوز مسألة بحجم انتهاك ضمانات المحاكمة العادلة التي جاءت بها القرارات بقوانين التي صدرت مؤخراً في الشأن القضائي. وهذا بديهي كونها تطال الجوانب الوقائية والعلاجية التي تعد جوهر اتفاقية مناهضة التعذيب. وعليهم أن يتوقعوا ذات الانتقادات من جميع اللجان الدولية في الأمم المتحدة المعنية بالاتفاقيات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان التي انضمت إليها دولة فلسطين بدون تحفظات، كونها مُتصلة ببعضها البعض اتصالاً لا يقبل التجزئة.

بالمناسبة، لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة (CAT) ركّزت على التعديلات التي جرت على "قانون السلطة القضائية" إلى جانب التعديلات التي جرت على قانون الإجراءات الجزائية وقانون أصول المحاكمات المدنية وقانون البينات وقانون تشكيل المحاكم. وهذا بديهي، أيضاً، لأن التأثير على استقلال القضاة والقضاء يؤثر بالضرورة على الحق في ضمانات المحاكمة العادلة. 

من المهم، أن تلتقط نقابة المحامين الفلسطينيين رسالة لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة فيما يتعلق بقانون السلطة القضائية، وبخاصة مع إعلانها عن رفع سقف المطالب، لأن ضمانات المحاكمة العادلة لا يمكن فصلها عن استقلال القضاة والقضاء. كما ونأمل أن تلحظَ التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي هذه المسألة (قانون السلطة القضائية) الغائبة تماماً.

مؤسف أن يرد في الملاحظات الختامية (60 ملاحظة) على المناقشة الأولى للدولة الطرف أمام اللجنة في مقر الأمم المتحدة بجنيف بأن تقرير الدولة الطرف (دولة فلسطين) مُتأخر أكثر من أربع سنوات. 

ولافت، هذا الإجماع بين اللجان المعنية في الأمم المتحدة الذي عبرت عنه أيضاً لجنة مناهضة التعذيب بأنه رغم الاتفاق المبرم بين فتح وحماس في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2017 فإن الدولة الطرف (دولة فلسطين) لم تُحرز تقدماً في حل القضايا السياسية التي تؤثر سلباً على تمتع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بحقوقهم بموجب الاتفاقية، وأن هذا التشرذم الفلسطيني لا زال يُعيق تنفيذ اتفاقية مناهضة التعذيب.

ولافت أيضاً، أن تُجمِع جميع اللجان الدولية في الأمم المتحدة التي أجرت نقاشات مع دولة فلسطين في جنيف (لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة، اللجنة المعنية بحقوق الطفل، لجنة القضاء على التمييز العنصري) وحالياً لجنة مناهضة التعذيب؛ على انتقاد المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية. حيث عبّرت لجنة مناهضة التعذيب أيضاً عن قلقها من تفسيرات المحكمة الدستورية العليا رقم 4 (2017) و 5 (2017) بشأن القيمة القانونية وتحفظات المحكمة الدستورية على الاتفاقيات الدولية. 

وعبّرت لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة عن قلقها من قيام المحكمة الدستورية العليا بــ "حل المجلس التشريعي الفلسطيني" وهو ما عبرت عنه اللجان الدولية الأخرى في الأمم المتحدة وطالبت دولة فلسطين بالإسراع في إجراء الانتخابات العامة.

من الضروري أن يُدرك الجانب الرسمي الفلسطيني بأن بواعث القلق لدى لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة لم تقتصر فقط على القرارات بقوانين الخمسة في الشأن القضائي ومن بينهم قانون السلطة القضائية، بل ذهبت اللجنة إلى أبعد من ذلك عندما عبرت عن قلقلها بشأن دور "القرارات بقوانين" عموماً في "تجزئة" النظام القانوني في دولة فلسطين، فهي (اللجنة) تُدرك جيداً بأن القرارات بقوانين تُطبق عملياً في الضفة الغربية فقط والمقابل فإن التشريعات الصادرة في قطاع غزة تُطبق في القطاع فقط.

لجنة مناهضة التعذيب واضحة تماماً عندما عبّرت عن قلقها من استمرار "حالة الطوارىء" المعلنة في فلسطين منذ 5 آذار/مارس 2020 ولغاية الآن، وقد أكدت اللجنة الدولية صراحة في ملاحظاتها بأن المادة (110) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل تسمح بإعلان حالة الطوارىء لمدة أقصاها (60) يوماً بموافقة أغلبية ثلثي عدد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني. 

ما لا يُدركه الجانب الرسمي الفلسطيني، أو لعله يُدرك، بأن لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة هي اللجنة الأقرب من بين جميع اللجان المتعلقة بالاتفاقيات الأساسية لحقوق الإنسان إلى "مكتب الادعاء العام للمحكمة الجنائية الدولية" من خلال الوثائق الصادرة عن تلك اللجنة بوجه خاص؛ والتي لا تغيب عن أعين الادعاء العام للمحكمة الجنائية الدولية، وهذا بديهي لأن جريمة التعذيب إنْ ارتُكبت على نحو ممنهج في الحالة الفلسطينية فإنها تعد "جريمة ضد الإنسانية" ينعقد لها اختصاص المحكمة الجنائية الدولية (المادة 7 من نظام روما) والحد الفاصل بين جريمة التعذيب كجريمة محلية (غير ممنهجة) وجريمة دولية ينعقد لها اختصاص المحكمة الجنائية الدولية (ممنهجة) لا يكون من خلال عبارات يتم إلقاؤها على عواهنها من قبل الجهات الرسمية الفلسطينية وأحياناً من قبل بعض مؤسسات المجتمع المدني (غير ممنهجة) هذه المسألة الحاسمة لها أصول ومؤشرات وهناك بروتوكول اسطنبول وغيره من الوثائق، ومن المحزن والخطير بذات الوقت أن يتم استسهال الكلام بهذا الشأن. 

ما ورد في الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة يُجيب على المؤشرات التي يمكن من خلالها معرفة إنْ كان التعذيب في دولة ما يُمارس على نحو ممنهج أو غير ممنهج، 

تُشير لجنة مناهضة التعذيب إلى دلائل قوية على أنَّ التعذيب في فلسطين يُمارس على نحو ممنهج. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن مكتب الادعاء العام للمحكمة الجنائية الدولية في عهد المدعية العامة السابقة السيدة فاتو بن سودا أشار في تقريره السنوي إلى قلق مكتب الادعاء العام من معلومات يُفيد بوقوع جرائم تعذيب في الضفة الغربية (هكذا وردت في التقرير) ينعقد لها اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. 

مع التذكير بأنه بحسب نظام روما المنشىء للمحكمة الجنائية الدولية فإن جرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم، وأنَّ المسؤولين السياسيين والأمنيين هم المستهدفين بالدرجة الأولى، وأنه لا حصانة للرؤساء ورؤساء الوزراء والقادة العسكريين والأمنيين أمام المحكمة الجنائية الدولية، بمعنى أن المحاكمة أمام المحكمة الجنائية واردة حتى بعد سنوات من ترك الخدمة أو الإحالة على التقاعد. 

يجب على الجهات الرسمية الفلسطينية أن "تتأمل جيداً" الملاحظات الختامية للجنة المعنية بمناهضة التعذيب – وغيرها من اللجان الدولية - كونها ذات موثوقية عالية لدى مكتب الادعاء العام للمحكمة الجنائية الدولية؛ من قبيل ما أشارت إليه اللجنة (CAT) من استخدام مفرط للقوة والأسلحة الفتاكة من قبل المكلفين بإنفاذ القوانين والتي اسفرت عن وفيات وإصابات، والاعتقالات التعسفية والحبس الانفرادي والتعذيب وسوء المعاملة للمتظاهرين السلميين من قبل قوات الأمن الفلسطينية، وتعرض المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمعارضين السياسيين ومنتقدي الحكومة للاحتجاز التعسفي والاستخدام المفرط للقوة بموجب تدابير الطوارىء. ومعلومات تُفيد بتعرض الأشخاص ذوي الإعاقة للتعذيب وسوء المعاملة في مراكز الإيواء وغيرها. (الجمع بين أشكال التعذيب والطوارىء رسالة واضحة بأن العملية ممنهجة). 

بل وتُشير الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة، بوضوح، بأن الدولة الطرف (دولة فلسطين) قد "أخفقت" في ضمان المساءلة عن وفاة "نزار بنات" بعد تعرضه للضرب المبرح والتعذيب. (يتم الاستناد إلى حالات واضحة ومعروفة لدعم دلائل التعذيب الممنهج).

وتصل الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة إلى "المُنحنى الحاسم" في الإجابة على مؤشرات التعذيب الممنهج في دولة فلسطين عندما تُشير بوضوح بأن "الاعترافات المنتزعة بالإكراه تُقبل أمام المحاكم الفلسطينية .. والأدلة التي تُقدم أمام القضاة بتعرض المتهمين للتعذيب وسوء المعاملة غالباً ما يتم تجاهلها وعدم متابعتها بدقة". وأن "التحقيقات بشأن جرائم التعذيب وسوء المعاملة تفتقر إلى الاستقلالية .. وأن شكاوى التعذيب لم تؤدِ إلا إلى عدد قليل من المحاكمات وعدم إدانة للجناة تقريباً". (هذا يعني أن مؤسسات العدالة مُتورطة وهو أهم دليل على التعذيب الممنهج الذي يشكل جريمة دولية).

كما وتشير الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة إلى أن الفلسطينيين ضحايا التعذيب لا يحصلون على التعويض العادل علاوة على عدم المساءلة والمحاسبة. بالعادة تسأل اللجنة عن تفاصيل التعويض ومقداره للتحقق من سبل الانتصاف الفعال، وحيث أنه لا يوجد تعويض أصلاً فلا حاجة للدخول في التفاصيل مع دولة فلسطين. (عدم تعويض الضحايا من المؤشرات المهمة على التعذيب الممنهج). وبذلك فإنَّ جميع مؤشرات/أسئلة التعذيب الممنهج قد تمَّ التحقق منها في تلك الملاحظات والتي هي حصيلة نقاش مُعمّق أجرته اللجنة مع الدولة الطرف (دولة فلسطين) في مقر الأمم المتحدة في جنيف!

وتكتمل حلقة التعذيب الممنهج في مسار أسئلة لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة، وإجابات الوفد الرسمي الذي يُمثل دولة فلسطين، بما أشارت إليه اللجنة في ملاحظاتها الختامية بعدم إمكانية الاستعانة بمحام أمام الأجهزة الأمنية الفلسطينية فور إجراء القبض على المتهم أي في مرحلة الاستدلال (هذا يعني وجود بيئة خصبة للتعذيب في غياب المحامين في أخطر مرحلة) وعرض موقوفين على القضاء بعد عدة أيام أو أسابيع بما يجعل المشتبه به معرضاً لخطر التعذيب. وكذلك ما أشارت له اللجنة بشأن التوقيف على ذمة المحافظين. والتوقيف على ذمة لجنة العمليات المشتركة (اللجنة الأمنية المشتركة سابقاً) وغيرها. علاوة على عدم استقلالية الهيئة الوطنية لمناهضة التعذيب بتعيين رئيسها وأعضائها من قبل الرئيس بتنسيب من مجلس الوزارء. 

يبدو أن القادة والمسؤولين السياسيين والأمنيين الفلسطينيين باتوا قاب قوسين أو أدنى من مكتب الإدعاء العام للمحكمة الجنائية الدولية في جريمة التعذيب (جريمة ضد الإنسانية) أو أنَّ شبح الجريمة الدولية (التعذيب) سيبقى يطاردهم حتى بعد سنوات من ترك الخدمة. ولا يقتصر الأمر على المحكمة الجنائية الدولية، بالمناسبة، إذ يمكن أيضاً أن يجدوا أنفسهم أمام دعاوى قضائية في الدول التي تأخذ بالولاية العالمية في قوانينها العقابية التي ينعقد فيها الاختصاص للقضاء المحلي بالنظر لخطورة الجريمة (التعذيب) بغض النظر عن جنسية مرتكبها ومكان ارتكابها وأغلب الدول الأوروبية وغيرها تأخذ بهذه الولاية. 

هذا الشبح لن يتوقف عن مطاردة القادة والمسؤولين السياسيين والعسكريين الفلسطينيين الذين يتحكمون في منظومة القيادة والسيطرة وإصدار الأوامر ما لم تكن هناك إصلاحات جادة ومحاسبة جنائية فعّالة على جرائم التعذيب وسوء المعاملة وسُبل انتصاف فعّالة للضحايا وضمان عدم التكرار.

البث المباشر