مقال: الشّعب الفلسطيني وخزّان السّلطة

ابرهيم نصر الله

كانت منظمة التحرير الفلسطينية سبّاقة، ربما، في مجال إنشاء مؤسسات ذات طابع ديمقراطي في العالم العربي، لكنها بقيت محافظة على الإرث العربي الحديث، الذي لم تتنازل عنه، وهو حكم الفرد المُطلق؛ كان ذلك في زمن الثورة، وتضاعف هذا مرات ومرات في زمن السلطة، دون أن ننسى أو نتناسى ما لها، ونحن نتحدث عن «ما عليها».
لا ينطبق الأمر على هذا الجانب وحسب، بل يتجاوزه إلى مسائل كبرى مثل الفساد والإفساد اللذين لم يجرِ حسم أيهما أخطر، أو أوّل، مثلما حدث مع البيضة والدجاجة، وإلى ذلك؛ المحسوبية، والفصائلية، والتصفية لأوهى الأسباب، وكذلك على مستوى التسلل بعيدًا عن عين الشعب، والكوادر الكبيرة والصغيرة لاحتضان العدو هنا، أو احتضانه هناك، وعقد اتفاقيات صغيرة وكبيرة بوهم اختراق الجبهة الصهيونية، لكن تلك الأسرار الخفية كانت تتحوّل إلى فضائح معلنة، لم تتم مساءلة أي من أولئك الذي تسببوا بها، بل وكانوا أبطالها، إلا إذا كان الغرض تصفية حسابات داخلية لا علاقة لها بتلك الفضائح.
وإن كان يروق لقادة المنظمة شيء، فلم يكن يروقهم أكثر من إغواء من لا ثمن لهم، ليصبحوا من فئة أولئك الذين يمكن شراؤهم. كان يهمهم ضبط الفاسد لا لمحاكمته بل لكي يسيّروه بعد ذلك حسب مخططاتهم، وهم يشترون صمته وصوته وضميره، ليكون جزءًا من هذا الهلام الكبير الذي لا يستطيع أن يكمل دربًا أو ينجز وعدًا أو يحرر شبرًا.
ذلك كله سيدفع مواطنين في واحدة من المظاهرات الأخيرة، في رام الله، أن يرفعوا شعارًا يقول (السلطة = الاحتلال).
لم يصل الشعب الفلسطيني إلى هذه المعادلة المرعبة بين يوم وليلة، فهو في النهاية واحد من الشعوب التي يمكن أن تُخدع أيضًا، مرّة بشعارات رنانة يسيل لها لعاب الوطنية، ومرة بالقبول بما فُرض لأن البديل هو الأسوأ، ومرة بتعليق البشر بمشانق التسهيلات البنكية التي تقابلها وتعزّزها مسألة: هل يُصرف الراتب هذا الشهر أم لا؟
والسلطة تدرك هذا، بمستشاريها، ورجالها من الصف الأول، المحسوب كثير منهم على أطراف خارجية بوضوح لا يخفى على أطفال الحضانات؛ فذلك رجل الإمارات، وذلك رجل إسرائيل، وذلك رجل مصر، وذلك رجل أمريكا، لكن ذلك لن يدفعنا للسؤال، أوليس هناك رجال ونساء عظيمات لفلسطين، لأنهم دائمًا كانوا موجودين: الشهداء، والأسرى والجرحى والثوار في الشوارع، والفتيان يفجرون الانتفاضات واحدة بعد أخرى كلما فسدت ذخيرة السلطة وصدئت أسلحة تنظيماتها.
تقول الأرقام الصادرة عن المؤسسات المعنية بالدفاع عن حرية الرأي إن هذه السلطة اعتقلت خلال عام 2021 لأسباب سياسية 592 فلسطينيًّا، بعضهم من الأسرى الذين أطلق سراحهم من السجون الصهيونية، كما تم استدعاء 406 فلسطينيًّا والتحقيق معهم.
قضايا هؤلاء وغيرهم، باتت مصدر رعب في ما يتعلق بمصير قضيتَي العدالة والحرية بالنسبة لنقابة المحامين الفلسطينيين، خاصة بعد القرارات التي صادق عليها محمود عباس مؤخرًا، القرارات التي تنذر بأخطار لا حدود لها على بنية المجتمع الفلسطيني.
جوهر المشكلة هو هذا الإصرار على تعديل قوانين لا موجب لتعديلها، وبطريقة غير دستورية، من قبل الرئيس، وهناك اتفاق من أهل الاختصاص يؤكد أنها قوانين ظالمة، فالمشكلة في هذه القوانين الإجرائية المعدلة يكمن «في غياب ضمانات الحق في التّقاضي، وتعديلات خطيرة تتعلق بتمديد توقيف المتهمين أثناء التحقيق معهم، دون حضورهم أمام المحكمة، بعد أن كان القانون ينصّ على وجوب حضورهم، وهذا يعني أن انعدام حضور الموقوف قد يشكل أخطر مرحلة يمرّ بها المعتقل، بخاصة إذا كان يخضع للتحقيق؛ لأن القاضي لا يراقب فقط سلامة الإجراءات، بل يراقب سلامة المتّهم من التعرّض للتعذيب أو الإيذاء أو لعقوبة قاسية».
هكذا كان من الطبيعي أن تنضمّ إلى احتجاجات المحامين عشر مؤسسات كبيرة، أدركت خطورة التعديلات التي باتت تمسّ المجتمع الفلسطيني بأكمله، وهذه المؤسسات هي نقابات الصحافيين، والأطباء، والمهندسين، والأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، والمحاسبين، واتحادات: نقابات عمال فلسطين، والمرأة الفلسطينية، والمعلمين، والاقتصاديين، والاتحاد العام للكتّاب والأدباء. وإذا أضفنا منتدى المنظمات الأهلية الفلسطينية لمناهضة العنف ضد المرأة الذي يضم 17 مؤسسة أهلية ونسوية وحقوقية، و16 موقعًا وإذاعة ومؤسسة إعلامية أطلقوا قبل أيام موجة بثّ موحَّد تضامنًا ودعمًا لحراك المحامين، وعريضة وقع عليها 164 صحافيًا، فإننا نتحدث عن «لا شرعية السلطة» التي باتت تتلاعب كما تريد بالتشريعات، بعيدًا عن المجلس التشريعي الذي تم حلّه، بحيث باتت التشريعات «تصدر استنادًا إلى سلطة الرئيس، وغاب عنها مادة وجوب عرضها على المجلس التشريعي»، في حين تشير الأرقام أن «عدد القرارات التي أصدرها عباس منذ توليه السلطة حوالي 400 قرار حظيت بصفة القانون، وذلك يساوي ستة أضعاف عدد القوانين التي أقرها المجلس التشريعي طوال فترة انعقاده (عشر سنوات) بين عامَي 1996 و2007، بحيث بات الشعب الفلسطيني ومؤسساته تحت رحمة رئيس يسيطر تمامًا على السلطة التشريعية.
مظاهرات الاحتجاج التي ينظّمها أهالي المعتقلين، وكثير من القطاعات المتضررة بهذه القرارات، ووقفات الاحتجاج التي ينظمها المحامون وتمتد على مدى الليل والنهار في بعض المدن، أو مسيرة احتجاجهم التي يقمعها أمن السلطة لمنع وصولهم إلى مقر الرئيس، وقرار المحامين بأنهم سيسلمون بطاقاتهم؛ بما يعني التوقّف عن المثول والترافع أمام المحاكم، ثم تعليق عملهم، الثلاثاء الماضي، أمام المحاكم بمختلف أنواعها ودرجاتها النظامية والعسكرية والإدارية ومحاكم التسوية والمحكمة العليا وعلى اختلاف درجات المحاكم، كلها مظاهر تنذر بانهيار منظومة القضاء، بل وتمتد وتتسع بدخول كل هذه النقابات والاتحادات ولجان المرأة والمؤسسات المدنية إلى حلبة الغضب، بما ينذر بتحوّل هذه الحالة إلى مرحلة قد تصل إلى مرحلة العصيان المدني.
وبعــد:
تستوحي السلطة في قراراتها الجديدة الكثير من إجراءات الاعتقال الإداري، ولذا ليس غريبًا، حتى قبل ظهور هذه القرارات الأخيرة، أن تكون نتائج استفتاء صدر عقب اغتيال نزار بنات تقول: إن نسبة الذين يعتقدون أن فلسطين تسير في الاتجاه الخاطئ ارتفعت من 51٪ في عام 2020 إلى 65٪ في عام 2021، وانخفض مدى التفاؤل بالمستقبل من 65٪ عام 2020 إلى 48٪، وإلى ارتفاع نسبة الذين يعتقدون أن الفلسطينيين هم اليوم أبعد عن إقامة الدولة من 44٪ إلى 58٪، بينما يؤيد 67% من المستطلعين إلغاء اتفاق أوسلو، فيما يعارض 61٪ استمرار التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل.
لم ييأس الشعب الفلسطيني وقد أحاقت به الظروف القاسية دائمًا، ولذا، فإنه ومنذ زمن طويل لم يعد في حاجة لمن يسأله: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟