الوريث الوريث

قرية النبي صموئيل.. أسيرة المستوطنين وأهلها سجناء

غزة – مها شهوان

الاعتقال في الأراضي الفلسطينية لا يقتصر على الحبس في المعتقلات (الإسرائيلية) بل وصل الحد بالاحتلال إلى عزل مناطق وقرى بأكملها ليجعل جميع سكانها يعيشون حياة السجناء فلا خروج من حدود تلك المناطق المعزولة إلا بتصاريح.

تسرد "الرسالة نت" حكاية قرية "النبي صموئيل" الواقعة أعلى قمم القدس، وتطل على الساحل -شمال غرب القدس-، وترتفع 885 م فوق سطح البحر، احتلت عام 1967 وهُجّر ثلثا سكانها، وبعد "أوسلو" صنفت أراضيهم كمناطق "ج".

 وتوصف القرية بأنها وحيدة معزولة في القدس وعن القدس، حيث يعاني أهلها حصار المستوطنين المحتلين المستمر منذ عقود، إذ تتقيد حركة المقدسيين ومعاشهم والتزود باحتياجاتهم اليومية بتصريح من الاحتلال.

تقع قرية "النبي صموئيل" داخل الجدار العازل من جهة الاحتلال، فلا يسمح لسكان قرى الضفة دخولها، لكنها أيضا خارج حدود بلدية الاحتلال في القدس، ويحمل معظم سكانها (300 نسمة) الهوية الفلسطينية فلا يدخلون القدس دون الحصول على تصريح ساري المفعول.

وحال منح أحدهم التصريح، فإنه يتوجب عليهم في البداية عبور نقطة تفتيش الجيب إلى داخل الضفة الغربية ثم الدخول إلى القدس عبر نقطة تفتيش قلنديا، وذلك يستغرق بالمعدل حوالي ساعة إلى ساعتين.

ويحيط بالقرية اليوم الجدار العازل وحاجز عسكري ومستوطنتا "جفعات زئيف" و"نفيه شموئي" وشارع 436 الاستيطاني الذي يقطع أراضيها.

نشأة القرية تاريخيا

تقع القرية على موقع بلدة "مصفاة" "بمعنى برج النواطير" الكنعانية، وسميت بالنبي صموئيل لأنها مسقط رأس النبي صموئيل ومحل قبره بحسب معتقداتهم، كما يعود تاريخ إنشاء التجمع إلى عهد صلاح الدين الأيوبي.

في العام 1971 هدمت قوات الاحتلال أول توسعة في أحد المنازل في القرية، واستمرت في سياسة الهدم حتى لو كانت التوسعة عبارة عن حمام أو كرفان سكني صغير في سبيل تهجير السكان من القرية التي يعتبرها الاحتلال منطقة استراتيجية كونها تطل على مدينة القدس بكاملها، ويصل مدى الرؤية بها في أيام الصيف إلى البحر الأبيض المتوسط.

وفي عام 1972 هدم الاحتلال معظم منازل القرية المحيطة بمسجد "النبي صموئيل"، ثم أعلن عن غالب مساحة القرية 3500 دونم حديقة قومية (إسرائيلية)، وهو ما يعني منع البناء والزراعة فيها.

وقبل احتلالها كانت من أهم القرى الزراعية في مدينة القدس، إذ كانت تشتهر بزراعة الخضراوات والحبوب، وأهمها السمسم الذي كان يصدر إلى الدول العربية، لكن اليوم لا يستطيعون زراعة أراضيهم بينما يتمتع المستوطنون بزراعتها دون حسيب ولا رقيب.

ومن أبرز معالم القرية المحاصرة هو مسجد النبي صموئيل الذي يشد نظر الزوار من بعيد لشدة علوه، لكن في حال اقترب أحد من المسجد سيكتشف أنه بالقرب من " رموت" أو مستوطنة "بسغات زئيف"، وذلك بحسب الجهة التي ستتوجه إليه منها، فالمسجد وقريته يحاط بأربع مستوطنات عزلته عن كل ما هو عربي بمدينة القدس.

بني المسجد عام 1720 وفيه مقام وقبر قديم، حوّل الاحتلال جزءا منه إلى كنيس يؤدي فيه المستوطنون صلواتهم واحتفالاتهم الدينية ويعتدون من خلاله على سكان القرية وممتلكاتهم.

يدنس المسجد عشرات المستوطنين الذين يتخذون من طابقه السفلي كنيسا بذريعة قبر النبي صموئيل في مغارة أسفل المسجد، بينما الطابق العلوي للمسلمين يؤدون صلواتهم فيه ولا يفتح لهم إلا وقت الصلوات خوفا من اعتداءات المستوطنين.

معاناة السكان وهجرتهم

تضيق المعيشة في القرية على جميع الأصعدة، حيث يضطر سكان القرية للمرور عبر حاجز "الجيب" للوصول الى قرى الضفة ويحتاجون تنسيقا مسبقا لإدخال مشترياتهم، بينما تفتقر القرية لأي محال تلبي احتياجات أهلها.

وبحسب التقارير، فإنه منذ عام 1967 لم تقم السلطات (الإسرائيلية) بإصدار تصريح بناء للسكان الفلسطينيين، ووفق مجلس القرية فإن عشر عائلات على الأقل غادرت في السنوات العشر الماضية بسبب نقص المساحات المعيشية لأنهم كانوا عمليا ممنوعين من بناء أو توسعة منازلهم.

وتكون العائلات التي تغادر معرضة لأن تفقد قدرتها على زيارة القرية وحضور حفلات الزفاف ومراسم الدفن والمناسبات الاجتماعية والعائلية الأخرى.

وتعبر قرية النبي صموئيل مهددة بالاندثار، بسبب هجرة الشباب، وانعدام فرص العمل، حيث أن قانون حماية الحدائق الوطنية - يتيح تحويل الحدائق إلى جمعيات بملكية خاص - والصعوبات التي تضعها السلطات لا تترك أي أمل أو إمكانية لتطور القرية.

وفي القرية مدرسة واحدة تتبع الأوقاف الفلسطينية وهي عبارة عن غرفة وكرفان يتعلم فيها قرابة 70 طالبا للصف التاسع، وتسيج الإدارة المدرسة لحماية طلابها من اعتداءات المستوطنين التي لا تتوقف.

وينفذ أهالي القرية احتجاجات مستمرة تقابل باعتداء منظم من مئات المستوطنين مدعومين بقيادات حزبية وسياسية مثل "بن غفير" وتحريض ضدهم يسفر عنه مواجهات واعتقالات لأبناء القرية.

ليست قرية النبي صموئيل الوحيدة التي يضطر سكانها للرحيل عنها بسبب ممارسات الاحتلال العنصرية، بل يحدث ذلك في قرية "سوسيا" جنوب جبل الخليل، وجميعهم بقيت بيوتهم فارغة تنتظر عودتهم، بعضهم عاد لكن بعد محاولات قاسية بفعل عنصرية الاحتلال، خاصة وأن كبار السن يرفضون الرحيل عن قريتهم الأسيرة.