شهداء جنين.. ثوار المخيم في الليل أبناء الحياة في النهار

غزة-رشا فرحات

حينما استشهد رعد خازم ذكر والده في جنازته نهجا يسير عليه المخيم منذ سنوات قائلا: "نحن في مخيم جنين جيش واحد". وهكذا بدأت القصة وأكملت طريقها حتى اليوم، وهكذا فإن المعركة الموحدة دوما هي المعركة الرابحة.

انتهى يوم جنين بالأمس نهاية غير عادية، لمدينة لم تكن يوما عادية، أربعة شهداء، وحداد كامل، وحزن يلف أرصفة الشوارع، وأزقة الحواري والمخيم، بعد ليلة ونهار كاملين من إطلاق الرصاص المتواصل ردا على اقتحامات الاحتلال، وقد كان الاحتلال يراهن كما في كل مرة على استسلامهم ولا يستسلمون.

في تمام الواحدة ظهراً، أعلنت وزارة الصحة عن آخر إحصائية لها: استشهاد عبد الرحمن فتحي خازم، محمد محمود براهمة، أحمد نظمي علاونة، محمد أبو ناعسةـ أربعة شهداء ووقوع خمسة وخمسين إصابة.

أربعة مشتبكين في بيت، مع سلاح بدائي، كل ما يملكه ثوار المخيم، أبناؤنا في الصباح، أبناؤنا العاديون جدا، الذاهبون إلى وظائفهم وأحلامهم، وجامعاتهم، الباحثون عما يرتدونه في عرس قريب لأخت أو حفلة لصديق، يتحولون حينما يسدل الليل ستائره إلى صقور، فيغيبون في أزقة بعيدة ملثمين لا نعرف فعلهم إلا بعد موتهم.

محمد أبو نعسة، الذي ختم ليلته الماضية بمنشور أخير على صفحته في فيس بوك: "في كل ليلة أقول يا رب أكرمني، ليس لأني أستحق، بل لأنك كريم" وكانت أبواب السماء مفتوحة على مصراعيها فارتقت به على أعلى سلم الكرم.

يقول والده في وداعه: "ابني الخلوق المؤدب، صاحب الدين والتقوى"، محمد الابن العادي جدا في نظر عائلته، كانت تعرف أزقة المخيم كم هو جسور في ليلها الحالك، حينما يصد مدرعات الاحتلال بجسده مع رفاقه، ويستذكره أهله في النهار: " كان يشتغل مراسلا في بنك ليغطي تكاليف دراسته الجامعية. وعندما أنهى الدراسة تعيّن موظفا في البلدية بالنّهار وفي مقهى بالليل. شاب خلوق، مجتهد، جدّي، محبوب فقدناه بلحظة".

أما الشهيد محمد محمود براهمة كانت أخته تسير عائدة إلى المنزل تحمل حذاءه وتضمه إلى صدرها، قبل عرس شقيقته الأخيرة بيوم، نزفت دماؤه، فتلغى الأعراس كلها في حضرة عرس الشهيد.

 لبراهمة قصة أخرى، مطلوب منذ زمن طويل، قهر عدوه مرة تلو المرة، للدرجة التي مثل الجنود فيها بجسد ميت وحفروا عليه بالدم عبارة بالعبرية "إنها النهاية" وهكذا وصل جثمانه إلى المستشفى.

يعلق شقيقه: "الاحتلال أضاف لنا فرحة على فرحة، فرحة عرس أختي وفرحة استشهاد شقيقي، ورغم وجع الفراق إلا أننا نستذكر كم كان رقيقا طيبا خدوما جابرا للخواطر، محبوبا من الجميع، وفي مرة أصيب داخل المخيم قبل سنوات وهو يتصدى للاحتلال، كان دائما في المقدمة وتوقعنا استشهاده".

محمد أسير سابق في سجون الاحتلال، وفقا لعائلته، لقد كان يحب الحياة، يحضر لحفل زواج شقيقته بحماس الشباب ولهفتهم، كان يريد أن يشترى ملابس العرس في ذلك النهار، ولقد كانت آخر مكالمة له مع عائلته ليسأل عن تحضيرات العرس ومتطلبات العروس، دون أن يعلم أن عرسه سيكون الأسبق.

أما أم الشهيد علاونة فقد جلست على باب المستشفى تمسح آخر قطرات من الدم عن يديها، بعد أن تشمها وتحدق بها مليا وتلف قطعة القماش المخضبة تلك كذكرى أخيرة باقية.

وعلاونة ضابط في أجهزة الأمن الفلسطينية، تلك التي تحاول ما استطاعت أن تداري خيبة السلطة بصقور من أبنائها يخرجون فقط ليلا ليقولوا أنهم لا زالوا يعرفون طريقهم الصحيح، وهذا كان آخر ما كتبه الشهيد علاونة عبر صفحته على فيس بوك: "يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا" قبل أن يبتلعه ليل جنين وينضم إلى رفاقه الثوار، ثم يعلن فوزه مع انتصاف النهار.

ثلاثة شهداء ورابعهم عبد خازم، الذي عرفتنا بالأمس طلة والده وعنفوانه وصبره عنه، حتى أصبحت عائلة خازم وحدها تعريفا آخر مرتبط بجنين، في كل شبر فيها قصة شهيد ومقاتل وشوارع لا تنام ولا تلين.