(الرسالة نت) في مدرسة إيواء

الرسالة نت - خاص الرسالة نت

 

 

مدرسة إيواء جديدة تُفتح، في خانيونس جنوب قطاع غزة، مطلع الأسبوع الثاني للحرب الصهيونية على المدنيين، فيهرع إليها آلاف النازحين الفارين من صواريخ الموت (الإسرائيلية والأمريكية)، ظنا منهم أنها المكان الآمن نسبيا.. ساعات قليلة، حتى أعلن مندوبو وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أن المدرسة لم تعد تتسع للمزيد، بينما أخذ بواب المدرسة يخبر القادمين الجدد بضرورة البحث عن متسع في مدرسة أخرى.

 

كانوا يسارعون لحجز أمكان لنسائهم وبناتهم في الغرف الصفية، بينما توزع الرجال والصبية في الممرات، وآخرون افترشوا الساحة، وقرب سور المدرسة، الحقيقة أنه لم يعد هناك مكان شاغر، الكل يحاول ستر أهله ونسائه وأبنائه، منهم المحظوظ الذي تمكن من اصطحاب بعض الأغطية والفراش والشوادر، ومنهم من جاء بطوله، ربما لم يسعفه الوقت أو لم يمهله القصف.

 

بعد أن التقط النازحون أنفاسهم، كانت الصدمة، لا شيء مؤهل في مدرسة الإيواء للإيواء سوى المباني، ويبدو أنها افتتحت على عجل، فلا مياه للشرب، ولا مياه للغسيل، ولا حاويات للقمامة، استمر الحال لثلاثة أيام، تكدست فيها القمامة أمام الغرف الصفية وفي الساحة وبدت لجنة الطوارئ التابعة لأونروا في حالة إرباك وتخبط، فالأعداد أكبر من طاقة استيعاب المدرسة ولم تصل الإمدادات اللوجستية بعد، سوى في اليوم الرابع.

ولك أن تتخيل كيف كان يدبر الناس حاجاتهم الأساسية، ينبغي الذهاب لأقرب مخبز مبكرا لحجز مكان في الطابور الطويل، وتزداد مدة الوقوف والانتظار كلما حدثت مشادة بين المواطنين، فيما يضطرون لشراء مياه الشرب، ويغسلون بها، ويقضون حاجتهم بها أيضا، وهنا المشهد يصعب وصفه، حمامات المدرسة تكومت فيها الفضلات بشكل مقزز، لا يعرف الناس أين يصطحبون أبناءهم أو نساءهم لقضاء الحاجة؟، منهم من لجأ للرصيف، ومنهم من يقطع مسافة للوصول إلى حمام مستشفى أو مسجد قريب، رغم  مخاطر السير في الشارع تحت أعين الطائرات المُسيرة الصهيونية، خاصة ليلا.

عندما يحل الظلام، يفترش الناس الأرض، من استطاع الاتكاء في مكان يسع طوله فهو محظوظ، ومن لم يستطع، فلا مناص من النوم في الشارع، لا خيار آخر،  يحرصون على التجمع، كل عائلة لوحدها، أو مجموعة معارف وأصدقاء مع بعضهم البعض، ويبدأون تبادل روايات الحرب والمآسي كذلك قصص البطولة والتحدي، فكل واحد منهم شاهد عيان، وصحفي ومراسل في منطقته.

في إحدى الليالي، جاء ثلاثة نازحون جدد من بني سهيلا، لينضموا إلى أقاربهم في المدرسة، تطوع أحدهم ليتحدث عن تفاصيل قصف الطيران الحربي ببرميل متفجر مبنى فوق ساكنيه، وأخذ يسرد أسماء بعض الشهداء والمصابين، ومنهم إصابة حرجة لأحد المواطنين، ما إن ذكر اسمه حتى لوح له قريبه ليوقف حديثه، ويهمس له بأن هذا الشخص النائم إلى جواره شقيق الرجل المصاب الذي ذكره، فيشعر المواطن بالحرج، وتمنى لو ابتلع لسانه حتى لا يصدم النائم بخبر إصابة شقيقه.

 

حكايات كثيرة تسمع طنينها في مدرسة الإيواء طوال فترة الليل، تخفت رويدا رويدا قبيل الفجر، وتكون الغلبة لصوت لطائرات الاحتلال الحربية التي تواصل قصفها، والطائرات المسيرة، التي لا تفارق الأجواء أبدا.

يقطع سكون الليل أكثر من مرة صوت رجل عجوز مقعد ينادي أبناءه الثلاثة لاصطحابه لقضاء حاجته، في الحمام القذر، فلا خيار آخر لديهم، بينما يحتاج العجوز للتقليب مرارا وتكرارا طوال الليل على يد أبنائه، وهو يتمتم سامحوني يا أولادي، وفي إحدى المرات دعا أن يأخذه الله ليريحه من هذا العناء.

ما إن ينادي المنادي لصلاة الفجر، حتى يبدأ الرجال التحرك للوضوء والصلاة، وقبل ذلك الاصطفاف في طابور أمام حمام مشفى قريب، من يتجاوز وقت قضاء حاجته الخمس دقائق، يحظى بزجر وعتاب من هم خارج دورة المياه.

يصلي الناس الفجر جماعات وفرادى، ثم يبدأ عدد منهم في التوجه إلى أماكن سكناهم، حتى اولئك الذين يقطنون في المناطق الحدودية كخزاعة وعبسان، فيما يشبه إغارة المجاهدين في اليوم الأول لطوفان الأقصى، يذهبون سريعا ويعودون بشكل أسرع، حاملين ما يمكن حمله من مستلزمات وأغطية لاستدراك عجلة اليوم الأول، ومنهم من يخاطر لإطعام دوابه وطيوره.

يعود هؤلاء فيخبرون عما رأوه من دمار جديد في كل مرة، ولا يسمعون لنصيحة الناس بعدم تكرار المخاطرة، فقد حدث واستهدف عدد من المواطنين خلال تفقدهم منازلهم ومناطقهم المدمرة، ولكن كيف تقنع من يحب بيته وأرضه بشكل جنوني، ولا يقوى على فراقها كثيرا، حتى وإن كان مجبرا.

لم أسمع أحدا ألقى بعتاب أو لوم على المقاومة، بل على العكس تماما، كانوا يعبرون عن ذهولهم من حجم الإثخان في صفوف العدو على يد المقاومين الذين اقتحموا غلاف غزة وأبادوا كل ضباط وجنود العدو، الذين تلطخت أيديهم بدماء أبناء شعبنا وأذاقوا المواطنين والمزارعين أشكالا من العذاب على مدار سنوات طويلة.

كان يمكن بسهولة للناس رؤية صواريخ (متبّر) وهي تلاحق طائرات مسيرة للاحتلال أكثر من مرة، فيصدحون بالتكبير والتصفيق، ويشتد الحماس أكثر عند مشاهدة صواريخ المقاومة وهي تشق السماء في طريقها لمدن العدو ومستوطناته، فتسمع بوضوح ضحكات وهتافات الأطفال وصافرات الشباب، ترافقها دعوات الرجال والنساء بالسداد والتصويب، لتنتقم من عدوهم المجرم الذي لا يرقب فيهم إلا ولا ذمة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من قصص صحفية

البث المباشر