قصص من غزة..

فيديو: قصة | الشابة مريم.. عن جحيم اليُتم و(يزن) وبقايا الشظايا العالقة في جروحها

الشابة مريم أبو ريا.png
الشابة مريم أبو ريا.png

غزة/هداية محمد التتر

الشابة مريم علاء أبو ريا، هكذا أحبت أن تكون بداية الحديث عنها، تبلغ من العمر (18 عامًا) قضت أغلبَ سنواتها في حروب غزة التي لا تنتهي، كانت فتاةٌ شابة مُفعمة بالحياة، كما غزة، تتمنى لو أن تنتهي الحرب وتُكمل حُلمها، في ظل عائلتها، قبل أن تتغلغلُ الصدمات تباعًا وتحيط فوهة الموت صوبها وتسلب منها أسرتها الصغيرة وتكابد بعدها وحيدةً جحيم اليتم والجروح وبقايا الشظايا العالقة في جسدها الشاهدة على محاولات النجاة من الموت ومراوغته.

تقول مريم أو مايا كما تحب أن يتم مناداتها لـ "الرسالة نت" في مقابلة مصورة: "في اليوم الرابع للحرب تطايرت شبابيك شقتنا في أبراج المقوسي بوجوهنا دون أن نصاب بأذى، فانتقلنا بسرعة لمنزلنا الآخر بالشيخ رضوان". 

وتردف وهي تشير إلى مكان الواقعة: "هنا، وفي تمام الساعة السابعة من مساء يوم الخميس 26/10/2023، وأثناء تجمع العائلة في الطابق الأول وأنا في الطابق الثالث، سقط صاروخ دفعني بعيدا عن مكاني، ما أدى إلى إصابتي بشظايا في الرأس وكسر الحوض وكسر في الأسنان واحمرار العينين".

تقف مكان الحدث، مردفةً: "حضر والدي وعمي بسرعة على صراخ أمي ونقلاني إلى مشفى الشفاء الطبي الذي كان ملئ بالجرحى، فسألت والدي عما حدث وتمنيت لو أنني استشهدت، فاستهجن ذلك وقال أنني لازلت صغيرة وسأدرس وأتخرج وأكمل حياتي".

نزوح متكرر

"وبعدما انتهى الأطباء من إخراج الشظايا والأخشاب من رأسها ومعالجة جروحها وضعت في أحد ممرات المشفى على سرير ردئ دون أي متابعة، لكثرة الحالات التي يستقبلها المشفى جراء مجازر الاحتلال المتواصلة، قبل أن ينقلني والدي نظراً لذلك الوضع الصحي الصعب إلى مشفى العودة وبعد أسبوع من الرعاية انتقلت إلى بيت خالتي في منطقة الفالوجا". مضيفةً.

وبصوت يملؤه الحزن على فراقهم، تستذكر الشابة أبو ريا، لحظات وصول خبر استشهاد عائلة والدتها، مستطردةً:  "في 2/11/2023 وصل خبر استشهاد عائلة أمي بأكملها في منطقة الهوجة، ليوغر حزناً كبيراً في قلبها زاده خبر تهديد المنطقة التي نحن فيها، لنضطر إلى الانتقال لأحد مراكز الإيواء رغم صعوبة حالتي الصحية".

لم يترك الاحتلال عائلة أبو ريا تنزح وتستقر في مكان إلا ولاحقها بدباباته وطائراته، اضطروا بعد أسبوع من مكثهم في المركز للخروج مسرعين بعدما دخلت قوات الاحتلال المدرسة المجاورة لهم عائدين إلى من منزل خالتهم.

وبعد أسبوع من النزوح لبيت أقاربهم، بدأ والدها بالتفكير في التوجه لجنوب القطاع، متابعةً حديثها: "نظراً لنزوحنا المتكرر وما كان يوهمنا به الاحتلال الصهيوني أن هناك الأمن والأمان وأن ما يحدث في الشمال لن يحدث في الجنوب".

الاستهداف الثاني

عن اللحظات العصيبة، تضيف: "في 18/11/2023 استيقظت على صوت أخي الحافظ لكتاب الله وهو يؤم بالعائلة في صلاة الفجر، وبعدها عدنا للنوم ولا أذكر شيئاً آخر، فقد استهدف الاحتلال الصهيوني عمارة من أربعة طوابق فوق رؤوس أصحابها، ونحن نائمين في الغرفة التي بجانبها".

وتسرد والألم يعتصر قلبها على ما ألم بها: "استشهد أبي وأمي وأخي 16 عاماً على الفور، بينما أخي الصغير يزن حماه ابن خالتي بجسده فتلقى معظم الشظايا في ظهره ورأسه ما أدى إلى استشهاده في اليوم التالي، لتلحق بهم بعد أيام خالتي وابنتيها وابنها".

"أما أنا ازدادت حالتي الصحية صعوبة، فقد زاد كسر الحوض عندي بعدما بدأ في الالتئام، وأصيبت يدي اليمنى بكسور وتهتك في الكوع، كما كسرت أسناني وضعف نظري وملأ الاحمرار عيني، كذلك أصابت الشظايا ظهري بالحفر والجروح الغائرة فيه نقلت على إثرها إلى مستشفى كمال عدوان الطبي".

وأوضحت مايا أن الاحتلال الصهيوني ارتكب يومها مجزرة مروعة بحق أهل الفالوجا والذي أدى إلى امتلاء المشفى بالشهداء والجرحى، وقالت: "كان عمي يبحث عنا في مشافي غزة حتى عثر علينا ابن عمي على الأرض في أحد ممرات مستشفى كمال عدوان، فقاموا بنقلنا على عربة تجرها الحيوانات إلى مستشفى العودة لأستيقظ بعد أربعة أيام والبلاتين يلف يدي، ولا أعرف أي شي حولي، ومن ثم عدت لحالة الاغماء مرة أخرى".

عن اليوم الأسوأ في حياتي ..

وأكدت أنه رغم ما أصابها وعائلتها إلا أن صواريخ الاحتلال استمرت في ملاحقتها، "فقد استهدف مشفى العودة الذي كنت أعالج فيه، ونزل صاروخ على السرير الذي تركه أخي المصاب يزن قبل ساعة من الاستهداف لننجو بعناية الله وننتقل إلى بيت جدي في جباليا البلد".

وتابعت مايا حديثها وهي تحاول حبس دموعها: "كنت معظم الوقت نائمة، أستيقظ أسأل عن عائلتي فتكون إجاباتهم مبهمة، حتى رأيت في المنام أن زوجة خالي رحمها الله تستقبل أبي وأمي وأخي، فاستيقظت وقلبي يحترق عليهم عدة أيام، حتى دخلت علي عائلة والدي وأخبروني باستشهادهم".

صمتت قليلاً لتكتم نفسها في محاولة لحبس نفسها عن البكاء، وقالت: "لا أدري كيف كانت ردت فعلي، ولا أريد تذكر تلك اللحظة"، واصفةً ذلك اليوم "كان أسوء يوم في حياتي، حيث دخلت في حالة صمت كبيرة لا أتحدث ولا أقبل رؤية أي أحد، وجل وقتي على المسكنات والنوم المستمر".

وأضافت أبو ريا: "وأنا في هذه الحالة دخلت قوات الاحتلال منطقة جباليا البلد وحاصرت جرافات ودبابات الاحتلال المكان، وبسرعة البرق أنزلوني ووضعوني على السرير وركضوا بي خوفاً من قذائف الدبابات التي تتساقط حولنا حتى وصلنا إلى جامعة الأقصى".

وتابعت: "ما أن بدأت حالتي في التحسن والمشي على قدمي، حتى بدأت أعاني من آلام في الكلية نتيجة المسكنات التي أتناولها، وأخبرني الطبيب بضرورة إيقافها وإلا أصبت بالفشل الكلوي، عندها أصبحت أصحو وأغفو وأنا أبكي من الألم".

وبعد أسابيع من مكوثها في جامعة الأقصى دخل الاحتلال منطقة أنصار، تقول مريم: "فاضطررنا للنزوح ومن ثم العودة مرة أخرى، إلا أن الاحتلال عاود ودخل منطقة غرب غزة مرة أخرى فخرجنا بسرعة خوفاً من ترحيلنا إلى جنوب القطاع وبقينا في منزل أحد الأقارب حتى الآن".

مريم وبعد ستة أشهر مرت عليها ولازالت جروحيها النفسية والجسدية لم تندمل، مردفةً: "حيث الفراق لأهلي وأغلى الناس على قلبي، فضلاً عن جسدي الذي يحتاج إلى عمليات جراحية وتجميلية"، مشيرةً إلى أنه لازال البلاتين داخل يدها وفي الكوع قريباً من عصب اليد "وأي حركة بسيطة فيها تشكل خطراً عليها ويمكن أن يصيبها بالشلل".

وبقلب ينفطر ألماً على ما ارتكبه الاحتلال بحقها، قالت: "حاليًا لا يوجد أي ذكريات محسوسة لأهلي، فقد جرفوا البيت وفقدت الجوالات التي تحمل جل صورنا وذكرياتنا، بل جرفوا قبورهم وألقوا بجثامين الشهداء في ساحة المدرسة لتبقى أرواحهم عند الله".

وأضافت وهي تبكي بحرقة: "كل يوم أستيقظ على أمل أن أجد أمي، أحلم بها تطرق على الباب وعندما أفتحه لا أجدها، فقد كانت لي بمثابة أختي وصديقتي فالعمر الذي بيننا ليس كبيراً"، مستذكرة أجمل لحظاتها مع والديها وحبهم ودلالهم لها، "كان حلمهم تخرجي والعمل واعتمادي على نفسي ولكن حياتي انتهت يوم استشهدت عائلتي، لا أتقبل فراقهم وعلى أمل أن يعودوا".

ولفتت النظر إلى أنه ورغم صغر سن أخيها يزن إلا أنه يعمل على مساندتها وتثبيتها قائلاً لها: "لا تبكي هم شهداء في مكان أفضل من الذي نحن فيه، والمفروض أن نبكي على أنفسنا".

"لا شيء.. ولا نتفت طموحات"

أما الباقي الوحيد من عائلتها الصغيرة، فهو شقيقها يزن أبو ريا "10 أعوام"، الذي أصيب في يده اليسرى وكسر عظم الفخذ اليمنى كذلك، "فتم إجراء عملية زرع بلاتين داخلي للفخذ وغرز لليد تعافيت منها والحمد لله"

وفي رده على سؤالنا عما يقوله بعد ستة أشهر من الحرب، قال يزن: "كان عندي طموحات أكمل حياتي وأدرس وأنا مع أهلي"، وبعدما منع نفسه من البكاء قال: "الآن كله دمر"، وتابع بابتسامة تخفي خلفها حزن كبير: "فش حاليا ولا نتفت طموحات وأتمنى أنه تخلص الحرب".

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من قصص صحفية

البث المباشر