نور في ظلام الحرب: أطفال غزة يحاربون القهر بالقرآن

في خيام النزوح
في خيام النزوح

خاص- الرسالة نت

 

وسط دمار البيوت وصوت الانفجارات التي تهز أركان مدينة غزة، كان الطفل المقداد حازم يجلس على سجادة صغيرة داخل خيمة النزوح مع شقيقته نسيبة وشقيقه معاذ. كانوا يحملون بأيديهم الصغيرة الطريق الوحيد الذي يغذي القلب بالصبر ويشعل الأمل في النفوس: المصحف الشريف.

عمر المقداد لم يتجاوز العاشرة، لكنه يحمل في قلبه إيمانًا وهمة تتجاوزان سنه بكثير. في يده الصغيرة، كان يمسك بالمصحف، يردد آياته بصوت هادئ كأنما يحاول أن يطفئ بها نيران الحرب من حوله.

نسيبة، التي ارتسمت على ملامحها الهادئة آثار اليقين والثبات المستمد من القرآن، تقول:
"نغذي الروح، ونحاول أن نستمد الصبر من تلاوة القرآن. فقدت أمي وأنا ابنة تسع سنوات، وبقي أبي في الشمال، نزحت مع إخوتي وحدنا، وأحاول أن أهدي أمي، التي تعذبت كثيرًا قبل وفاتها، تاج الوقار، كما أحاول أن أكرم أبي الصامد أيضًا".

أما المقداد، فقد بدأ يعطي دروسًا أكبر من سنه. يقول:
"يعتقد بعض الناس أن الحفظ أصعب من المراجعة، لكن في الحقيقة الحفظ سهل. أنا سعيد لأنني انتهيت من حفظ المصحف كاملًا وأنا ابن عشرة أعوام، وهذا هو أعظم إنجاز في حياتي".

المقداد، ككل أطفال غزة، فقد كل شيء: بيته، ألعابه، وحتى بعضًا من أحبائه. لكن شيئًا واحدًا لم يستطع أحد انتزاعه منه، وهو القرآن الكريم، سلاحه الأول والأخير في مواجهة هذه الإبادة.

"لا تيأسوا، لا تحزن إن الله معنا. نحن أقوياء بالله، ولن يكسرنا القهر."
آيات وجمل تختلط على ألسنة الأخوة الثلاثة، الذين يستمدون دفعات الأمل من آيات الله وترتيله، رغم بشاعة تفاصيل خيمتهم وكل ما فرضه الاحتلال من قسوة.

يقول المقداد بوعي أكبر من عمره:
"نحن أطفال غزة، صغار في العمر، لكننا عشنا صعوبات لا يتحملها حتى الكبار في الخارج."

أما شقيقه الأكبر، معاذ، فيضيف برسالة تحمل معاني الصبر والأمل:
"رسالتي لكل أطفال العالم: مهما كانت الحياة مؤلمة وقاسية، هناك هدف أكبر وغاية أسمى لكل إنسان. وقد كان هدفي أنا كطفل من غزة أن أهدي والدتي تاج الوقار، لكنها توفيت وأنا ابن ست سنوات."

يجلس الأخوة الثلاثة: نسيبة، والمقداد، ومعاذ، على مرتبة بسيطة داخل خيمة النزوح. وبينهم المصحف، الذي يعتبرونه وسيلتهم الوحيدة للصمود. يدرك الاحتلال أنه يستطيع أن يسرق كل شيء من أطفال غزة، لكنه لن يتمكن أبدًا من سرقة آيات الله من قلوبهم.

وفي شمال غزة، التي تعاني أقسى الظروف، أقيم مشروع قرآني في أبريل الماضي داخل أحد مراكز الإيواء بمدينة غزة. شارك فيه المئات من حفظة القرآن الكريم بسرده كاملًا في جلسة واحدة.

في مقطع فيديو، قالت الزهراء أبو سخيل، وهي طفلة كانت من بين الساردين:
"لم يعد للكلام معنى، ولا للألفاظ معنى، ولا لأي شيء معنى إلا كلام الله عز وجل. من بين الركام والآلام والأحزان، وحتى الأشلاء، يجدد أبناء قطاع غزة سرد القرآن الكريم، متحدّين كل الصعوبات والجراح، رغم الجوع والفقر والحصار والتهجير."

طفلة أخرى أضافت:
"رغم الظروف الصعبة التي نمر بها، فإننا مستمرون في تعليم القرآن الكريم وحفظه وسرده. إن شاء الله سنبقى مستمرين وماضين في درب الشهداء، وعلى خطى نبينا صلى الله عليه وسلم."

قد لا يعلم العالم كيف كان القرآن حاضرًا في كل بيت بغزة، قبل الحرب وبعدها، وحتى في خيام النزوح. بين خيمة وأخرى تجد حلقة لتحفيظ القرآن، يتوافد إليها أطفال غزة. يستشهد بعضهم، يُصاب آخرون، وتُسرق حقوقهم جميعًا، لكن القرآن يبقى الوسيلة الأقوى، والصوت الذي لن يخبو حتى النهاية