لم تنسَ الذاكرة الفلسطينية مشهد ذلك القائد العسكري الذي وقف أمام جنود الاحتلال بصلابة، مهددًا إياهم على أحد حواجزهم، ومدافعًا عن أبناء شعبه رغم اتفاقية التنسيق الأمني التي وظفته حارسًا وحاميًا للمحتل.
صرخ ذلك الضابط يومها: "الذي يقترب من واحد من أبناء شعبنا، والله لأحرق المكان حرقًا". لم يلبث ذلك البطل طويلًا في مكانه، حتى أُقيل من منصبه ونُقل إلى موقع آخر في السلطة.
مرّ المشهد دون أن يأخذ صداه كثيرًا، حتى عاد الاسم ليظهر من جديد في معركة فاصلة بتاريخ الضفة الغربية والقضية الفلسطينية عمومًا. كانت معركة "السور الواقي" عام 2000، حينما تحول مخيم جنين إلى ملحمة للبطولة والمقاومة.
خرج الرجل مجددًا، يقود قوات الأمن الوطني في المخيم، وتفوضه المقاومة بكامل أذرعها قيادة العمليات العسكرية هناك. كان الاسم يسبق صاحبه ويُدوِّي في أرجاء المخيم؛ إنه أبو جندل.
استُشهد الرجل في مشهد تراجيدي يشبه نهايته نهاية عصا السنوار؛ إذ نفدت ذخيرته عن آخرها، ليُعدم على أطلال المنزل المدمر الذي كان يتحصن فيه.
وفقًا للدراما التي وثقت مسيرة جنين في عمل سُمِّي "الاجتياح"، بدا واضحًا وجود خلاف عميق بين رجل ينتمي لشعبه وآخرين يعملون على مدار اللحظة للكشف عنه والإيقاع به. جمعهم العمل العسكري، ولكن لم تجمعهم الوطنية، فكان أبو جندل يهددهم علنًا. وكان مشروعه الأول أن يقتص منهم بعد المعركة، لكنها انتهت بارتقائه ورفاقه، بينما كانت جنين تلملم جراحها.
يقول أحد المقربين منه: رغم شراسة المعركة، لم يكن أبو جندل يواجه عدوًا واحدًا فقط، بل كان يكافح ليجعل من المؤسسة الأمنية ستارًا يحمي المواطنين. معركة لا تقل ضراوة عن تلك التي خاضها ضد الاحتلال.
مرت أكثر من 22 عامًا على المعركة، حاولت قيادة السلطة احتواء المشهد، ولكنها سلكت طرقًا لم تعد تُجدي مع مرور الأيام.
استخدمت أسلوب الاحتواء والترغيب كما فعلت في نابلس حين حاولت احتواء عرين الأسود، ثم نقلت الأسلوب نفسه إلى مخيم جنين.
يقول أمين خازم، أحد من عايشوا أبو جندل: "ليست الكرامة شيئًا يُباع أو يُشترى. الكرامة واحدة من القيم التي دفعنا ثمنها من دمائنا".
تم اعتقال أمين بناءً على تحريض من السلطة، ثم قُتل ابن شقيقته يزيد الجعابصة، أحد قادة كتيبة جنين المطاردين للاحتلال منذ أربع سنوات.
بكل سهولة، أطلقت قوات السلطة النار على المواطنين في مشهد متكرر منذ نشأتها، لتظل طلقات الرصاص في مسجد فلسطين عام 1994 حاضرًا في الذاكرة الفلسطينية.
تاريخ لم تستفد السلطة كثيرًا من دروسه، فاستمرت في مسارها الذي يتزامن مع الإبادة في غزة تحت عنوان "منع تكرار التجربة في الضفة".
الاستيطان المتصاعد في الضفة الغربية
منذ السابع من أكتوبر العام الماضي، شهدت الضفة الغربية تصاعدًا ملحوظًا في الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية، مستغلة الانشغال الدولي بالأحداث في غزة لفرض وقائع جديدة على الأرض.
وفقًا لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، استولى الاحتلال على حوالي 52 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية. وشملت الأراضي المصادرة 25 ألف دونم تحت مسمى تعديل حدود محميات طبيعية، و24 ألف دونم أُعلنت "أراضي دولة"، بالإضافة إلى 1233 دونمًا لأغراض عسكرية.
تم إنشاء 32 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة، خاصة في مناطق نابلس وأريحا. كما أقرت قوات الاحتلال خطة "لمليون مستوطن"، حيث تسعى إلى زيادة عدد المستوطنين في الضفة إلى مليون مستوطن، من خلال بناء 10 آلاف وحدة استيطانية سنويًا، وهو ما يعادل 10% من إجمالي الوحدات الحالية.
وأمام كل هذا، يُطرح السؤال: ماذا فعلت السلطة لتفادي قضم الضفة؟ وهي التي تدَّعي حرصها عليها!