نادوا على الدكتور حسام أبو صفية، الطبيب الذي ظل عنيدًا في وجه المحتل، رافضًا الاستسلام على مدار عامٍ ونصف من استهداف مستشفى كمال عدوان. كان صوتًا مقاومًا، يصرُّ على إبقاء المستشفى تعمل رغم الدمار ونقص الإمكانيات، متشبثًا بأقل الموارد لإنقاذ الجرحى وعلاج المرضى.
لم يكن الدكتور حسام مجرّد طبيب، بل رمزًا للصمود، يقف بين النار والمرض، يحارب على جبهتين: جبهة العدوان الإسرائيلي وجبهة النقص الفادح في المعدات والإمدادات. صمد طويلاً، لكن هذه المرة، كان للنار والقوة الكلمة الأخيرة.
تحت وطأة البنادق والنيران، أُجبر على الخروج، ولم تُعرف تفاصيل اعتقاله بعد. اختفى صوته، تاركًا خلفه ذكرى طبيبٍ لم ينحنِ أمام جبروت الاحتلال، وترك بصمته في مسيرة الإنسانية والمقاومة.
ثم بدأت النيران تلتهم الأرشيف الطبي وتزحف نحو قسم المختبر، لتبدأ فصول كارثة جديدة تسطرها آلة الإبادة.
امرأة تبكي بحرقة، تحمل حقائبها بأيدٍ مرتجفة، تروي ما حدث بصوت مملوء بالألم: "أخذوا المرضى، كان هناك مرضى على أجهزة التنفس الصناعي، فصلوا عنهم الأوكسجين. ابني مريض، لم يسمحوا له بالخروج مع الإسعاف. لم يكن معي أحد، أخذوا زوجي، وأنا أجرّ ابني المصاب، جسده الذي أكل البرد، وتضاعفت أوجاعه. لا أدري ما هو مصير زوجي ولا حتى مصير ابني الذي يعاني الآن من صعوبة الطريق، مما فعله الجنود بنا. المرضى في غرف العناية والإنعاش ماتوا أمامي."
تستمر في البكاء، وتتابع: "هذا جيش لا يحترم مريضًا ولا طبيبًا. لقد أهانوا الجميع، المرضى والأطباء، قتلوا المصابين في البرد، وحينما رفعوا عنهم الأجهزة، تركوهم يموتون." جمعوا أبناءنا الشباب ورقموا جبينهم بأرقام، وأذلوهم وضربوهم بعد تعريتهم.
أما الحكيمة أنوار المصري، فتروي ما جرى بصوت هادئ، لكنه مليء بالأسى: "تفاجأنا بعد حصار طويل بقصف الطائرات دون رحمة، الطائرات الروبوتية، والكواد كابتر، والمدفعية. وعند السادسة صباحًا، طلبوا منا الخروج. أبقوا بعض الأطباء، وأخرجوا الجرحى دون أن يأخذوا في حساباتهم حالتهم الصحية الخطيرة. لا نعرف مصير 25 طبيبًا وممرضًا طلب منهم الاحتلال أن يبقوا في المستشفى. قصفوا مركز الأوكسجين، وأبار المياه، وحطموا مستشفى كمال عدوان كليًا."
كانت تلك اللحظات مشهداً مروعاً لم يُسمح فيه للرحمة أن تجد مكانًا، حيث دُمرت المستشفى وأهينت أرواح المدنيين، من مرضى وأطباء، في واحدة من أبشع الجرائم التي سُجلت في تاريخ الاحتلال.
الممرضات خرجن تحت تهديد البنادق، بينما يصرخ الجنود بأوامرهم المهينة. طلبوا منهن خلع الحجاب، فرفضن بشجاعة تفوق القهر. لم يتوقف المشهد عند هذا الحد؛ بل امتد ليشمل النساء والفتيات، حيث أمرن بخلع ملابسهن، ومن رفضت ضُربت بوحشية وسُحب هاتفها. اعتقلوا أغلب الكوادر الطبية، واقتادوا الأطباء والممرضات إلى مصير مجهول.
شروق الرنتيسي، إحدى الناجيات، تروي تفاصيل الرعب: "خرجنا مع أول خيوط الفجر، نسير لأربع ساعات حتى وصلنا المستشفى الأندونيسي. لم نكن نعلم شيئًا عن مصير الجرحى الذين تركناهم خلفنا، ولا عن زملائنا، وعلى رأسهم الدكتور حسام أبو صفية، الذي اختفى صوته منذ الأمس، ولا يزال مجهول المصير."
في الشوارع، امتزج الدم بالألم، واصطفت الدبابات على جانبي الطريق وكأنها عيون تترصد الوجوه المرتجفة والخطوات المتعثرة. الأطفال يرتجفون من البرد، والأمهات يجرّون أثقال الخوف والجوع على أكتافهم. حينها، لم يكن الموت خيارًا محتملًا، بل قدرًا محتومًا.
تقول امرأة وهي تحمل طفلها: "خرجنا من المستشفى، تركناهم وقد اعتقلوا الدكتور حسام أبو صفية بعد أن طلبوا منه إخلاء المستشفى. خرجنا، وخلفنا تسير الدبابة وتدفعنا نحو طريق هي التي تحدده. ثم جمعوا النساء في حفرة كبيرة، والرجال في الحفرة المقابلة. ضربوا كل امرأة رفضت خلع حجابها، وفتشوها تفتيشًا دقيقًا. كان البرد قارسًا، وقد عروا الشباب من ملابسهم، واعتقلوا عددًا كبيرًا منهم."
تضيف السيدة: "كل هذا امتد من الساعة الثامنة صباحًا حتى الرابعة عصرًا. ساعات طويلة من الضرب والإهانة وخلع الملابس والتفتيش، ثم الاعتقال، أمام أعين الأطفال وصرخاتهم."
محمد قريقع، مراسل الجزيرة، نقل عن شهود عيان قصة شابٍ لم يتجاوز السادسة عشرة، كان من ذوي الاحتياجات الخاصة. توسلت أمه الجنود أن يتركوه، أخبرتهم أنه مختل عقليًا، لكن القلوب المتحجرة لم تُلقِ بالًا. أطلقوا النار عليه أمام أعينها، فسقط شهيدًا، وتركوه جثة هامدة على قارعة الطريق.
وعلى جانب آخر من الجريمة، يُقسم شاهد عيان أن الاحتلال أوقف الشباب ووجوههم للحائط، وأطلقوا النار عليهم بلا رحمة. عائلات تركت أبناءها بناءً على أوامر الجنود، وواصلت السير، بينما ظلت مصائر أولئك الشباب مجهولة.
هذا ليس مشهدًا من فيلمٍ مرعب، بل فصولٌ حقيقية من مجزرة تتكرر في شمال القطاع. مرضى يسيرون وحدهم، من وصل منهم إلى المستشفى الأندونيسي نجا مؤقتًا، ومن لم يصل بقي ضائعًا في مصيرٍ مجهول.
منعت قوات الاحتلال الأطباء من مرافقة مرضاهم، وحرمت الجرحى من أبسط حقوقهم في العلاج. ولا زال الشمال يقف أعزلا في وجه كل هذا، منذ عام ونصف يتفنن المحتل في صنع الموت، قصفوا المستشفيات، دمروا البنى التحتية، وأغلقوا المعابر في وجه الأدوية والمساعدات، ثم قصفوا العزل. الجثث تُركت متناثرة في الشوارع، والدفاع المدني مُنع من انتشالها، لتحول المدينة إلى مقبرة تفوح منها روائح الموت.