رحلة في طريق طويل .. لا يخوضها إلا حسام أبو صفية

رحلة في طريق طويل ..  لا يخوضها إلا حسام أبو صفية
رحلة في طريق طويل .. لا يخوضها إلا حسام أبو صفية

خاص- الرسالة نت

 

كانت الصورة الأخيرة للدكتور حسام أبو صفية تمثل المسير الأخير الذي مشى فيه مضطرًا، كما كان طوال 450 يومًا يسير إلى وجهته وهو يدرك أن هذه هي نهاية الطريق، اعتقال أو شهادة . ومع ذلك، ظل الجميع يطرح سؤالًا واحدًا: "ما الذي يجعل طبيب الأطفال المعروف هذا يبقى في شمال القطاع حتى اللحظة، وهو الذي يحمل جنسية أجنبية؟"

 

الدكتور حسام كان يعرف الإجابة جيدًا؛ إنه يعمل في المستشفى الأقوى في طب الأطفال في قطاع غزة، المستشفى الوحيد الذي يقدم خدمات للأطفال ضمن بروتوكول معتمد عالميًا، ذلك الصرح الطبي الذي حولته طائرات الاحتلال إلى ركام، ويعلم دوره جيدا، فما قيمة الصرح الطبي لو تركه قائده الأول، كيف يمكنه الصمود دونه، بل أصبح هو سر ثبات مستشفى كمال عدوان طوال أشهر الإبادة.

 

في إحدى ليالي العدوان، ومع استمرار القصف المكثف، دُعي الدكتور حسام بشكل عاجل إلى غرفة العمليات. كان هناك طفل في الرابعة من عمره أصيب بجروح بالغة إثر انهيار منزله جراء قصف طائرات الاحتلال التي أكلت أجساد الأطفال على مدار 450 يوما .

وكالعادة لم تكن الظروف طبيعية؛ الكهرباء منقطعة، والمعدات الطبية شحيحة، لكن الدكتور حسام لم يتردد. وسط ضوء مصباح صغير يعمل بالبطارية، بدأ الجراحة بهدوء، مطمئنًا فريقه الطبي، ونجح في إنقاذ حياة الطفل.

 

كان يردد دائمًا: "يكفي أن أنقذ طفلًا واحدًا، لأشعر بأنني أعود إلى الحياة." وظل يناشد العالم الأصم منذ أكثر من عام، متحديًا القصف المستمر، ليصعد إلى غرفة العمليات مرة بعد أخرى، مقطبًا جراح الأطفال تحت ضوء كشاف صغير.

 

عندما حاصر الاحتلال الشمال قبل أكثر من 80 يومًا، لم يكن هذا الحصار الأول، لكنه كان الأقسى من كل المرات، فقد ازدادت المأساة. الشهداء تناثروا في الشوارع، سيارات الإسعاف دمرت أمام المستشفى، والطواقم الطبية نزحت إلى الجنوب. وبينما كان يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، استهدف الاحتلال ابن الدكتور حسام نفسه.

 

وقف أبو صفية بجانب زملائه، صلّى على ابنه، ودفنه في باحات المستشفى، ثم عاد ليستكمل عمله.

في واحدة من أقسى اللحظات التي مر بها قطاع غزة، اجتمع الألم والحزن في مكان واحد: مستشفى كانت تُعتبر ملاذًا للمصابين، لكنها اليوم تحولت إلى أطلال بسبب القصف المستمر من قبل الاحتلال. في تلك اللحظات، كان الدكتور حسام أبو صفية يقف بجانب زملائه في مواجهة جحيم لم يعرفوا مثله من قبل.

 

أطباء من مختلف دول العالم جاءوا يحيون عزيمته، يقبلون رأسه، ويقتاتون من صموده. وبنظره الثابت، يتابع حالات الجرحى، يمسح دموع المكلومين، ويشجع فريقه الطبي على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

لكن كانت اللحظة الأصعب بالنسبة له هي حين كان يتعين عليه اتخاذ قرارات قاسية: "أن نتخطى بعض الحالات التي لا أمل منها، لكي ننقذ الحالات الأخرى التي لديها فرصة أكبر". كانت يداه ترتجفان وهو يعالج الجروح التي لن تُنسى أبدًا، لكنه ظل ثابتًا، لا يرضخ للضعف، بل ينهض ليكمل الطريق.

 

مع مرور الوقت، أصبح الطريق أمام المستشفى مبتورًا ، وتحولت الأرض إلى ركام، بينما بدأ الجنود بالتهديد، دباباتهم تهدد من بعيد.

بالأمس، كان المستشفى شاهدًا على مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه اختبار حقيقي لصلابة الإنسان في مواجهة الظلم. عندما وصلت النيران إلى جدران المستشفى، بدأ المكان ينهار، لكن روح الطبيب بقيت ثابتة. ولم يكن أمامه حل سوى أن ينقذ ما تبقى من حلمه الأخير، فدفع الطواقم الطبية إلى الخروج والهرب إلى المستشفى الأندونيسي أو مستشفى المعمداني في غزة.

 

كان مكبر الصوت ينادي عليه للخروج للتحقيق، فمضى وحيدًا، يده في جيب رداءه الأبيض، لا يعرف ما ينتظره. كانت هذه اللحظة بالنسبة له بمثابة نهاية رحلة من الصمود، مستذكرًا القنابل التي سقطت في باحات المستشفى طوال 80 يومًا. مسترجعا طريقه الطويل خلال حرب إبادة امتدت لأكثر من عام كامل ، هذا طريق طويل، رحلة شاقة لا يقدر على خوضها إلا حسام أبو صفية