شذا الصباغ، الطالبة في جامعة القدس المفتوحة، كانت تحلم بأن تصبح صحفية ميدانية تحمل صوت المخيمات إلى العالم. شغفها بالإعلام لم يكن مجرد كلمات عابرة؛ كانت تحفظ تسجيلات تغطيات مباشرة لمراسلين مشهورين يزورون مخيم جنين، ترددها أمام مرآتها وكأنها تستعد لأول ظهور لها على الشاشة. قالت يومًا لمدرّستها: "أحفظ تغطيات خالد بدير وحافظ أبو صبرا غيبًا، أرددها وكأنني في الميدان معهم". كانت ترى في الصحافة طريقًا للحرية والصمود، لكن طريقها كان أقصر مما تخيلت.
في ليلة الأمس، كان مخيم جنين يعيش تحت صوت الرصاص والقصف المتواصل منذ 20 يوما . خرجت شذا من منزلها تحمل بين يديها طفلي شقيقتها، تسير بجوار أختها ووالدتها، بحثًا عن مكان آمن يبعدهن عن خط النار.
رصاصة اخترقت رأس شذا، وأخرى أصابت شقيقتها، لتسقط الجميع على الأرض وسط صراخ وتوسلات اختلطت بأصوات الرصاص الذي لم يتوقف. حاولت شقيقتها، رغم إصابتها، سحب طفليها بعيدًا عن الخطر، بينما تقدمت جارة قريبة تصرخ من بين النيران، محاولة إيصال صوتها: "توقفوا! لقد أصابت الرصاصة رأس الصبية!" تقصد شذا الصباغ، لكن القناص تجاهل توسلاتها وأصر على الاستمرار في إطلاق النار.
في تلك اللحظات، كانت شذا تلفظ أنفاسها الأخيرة، الطفلة التي حلمت بأن تخطو أولى خطواتها المهنية أصبحت ضحية لرصاص غادر لم يستهدف إلا الأحلام. الجريمة لم تكن مصادفة؛ كانت انعكاسًا لواقع يزداد قسوة. السلطة التي من المفترض أن تحمي أبناءها أصبحت أداة في يد المحتل، تقدم قرابين من خيرة شبابها وشاباتها لتنال رضا عدوها.
كانت شذا ضحية لعبث لا معنى له، رصاصات أطلقها عسكري من السلطة التي أصبحت ترتجف من رجال المقاومة وتنكس الرأس إرضاء للمحتل الذي، بقسوة الذل وإمعانه، منح السلطة فرصة للقضاء على مقاومتها في مخيم جنين، بينما السلطة منكسة الرأس، مذلولة، تقبل شروط عدوها بلا مقابل، وتدفن أبناءها في قبور بلا أكفان، ولم يتخيل أحد أن يصل إلى هذا المستوى من الهوان.
الصحافي عميد شحادة الذي التقى بشذا قبل أسابيع قليلة يتحدث بحزن عن آخر لقاء جمعه بها: "في آخر مرة رأيتها، كانت مع أمها في أحد شوارع جنين التي دمرها الاحتلال. ساعدتنا في مقابلة الناس، كانت تطرق الأبواب وتقول للسيدات: الصحفيون هنا ليسمعوا أصواتكن". يتذكر كلمات أمها التي قالت له يومها: "ديروا بالكم عليها".
اليوم، ينظر عميد إلى صور شذا والدموع تملأ عينيه: "آسف يا أمي، ما قدرنا نحميها. قلعوا عنينا".
لم تكن شذا مجرد فتاة شابة، بل كانت رمزًا لجيل كامل يحلم بالحرية والعدالة. الليلة التي فقدت فيها شذا حياتها، لم تكن مجرد لحظة عابرة، بل صرخة في وجه الظلم والخذلان. شذا الصباغ لم تكن ضحية رصاص عشوائي فقط، بل ضحية منظومة السلطة التي اختارت أن تخون دماء شعبها، لتغتال الأحلام والأصوات التي تحاول أن تصدح بالحقيقة.
ليست شذا الضحية الأولى لرصاصات السلطة ، بل هي الضحية الرابعة التي سقطت ، فمنذ عشرين يوما والسلطة تحاصر مخيم جنين وتحيط الشوارع بالسواتر الرملية، وتنتشر برصاصها فترعب السكان وتمنع الطلاب من الذهاب إلى مدارسهم، وتوقف حركة الأسواق والحياة، وهي تقايض سكان المخيم على تسليم مقاومتهم، تهدد حياتهم ورزقهم ولا زالوا ثابتين .