في تصعيد خطير يعكس توجهات (إسرائيل) لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، حذرت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من تداعيات قرار الكنيست الإسرائيلي، الذي أقرّ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي حظر عمل الوكالة في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بما فيها شرقي القدس المحتلة. القرار، الذي يدخل حيز التنفيذ نهاية يناير/كانون الثاني الجاري، يهدد حياة ملايين اللاجئين الفلسطينيين، ويضع مستقبل القضية الفلسطينية أمام تحديات غير مسبوقة.
تفاصيل القرار الإسرائيلي
في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2024، صادق الكنيست الإسرائيلي على قانونين يعتبران الأونروا منظمة إرهابية، ويقضيان بحظر نشاطها في المناطق التي تسيطر عليها (إسرائيل)، بما في ذلك إغلاق مكاتبها ومصادرة أصولها المصرفية. يبرر الاحتلال هذا القرار بادعاءات غير مثبتة، منها تورط بعض موظفي الوكالة في هجمات وقعت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويمثل هذا القرار جزءًا من سياسات الاحتلال الرامية إلى تهويد شرقي القدس المحتلة وتقويض دور الأونروا، التي تأسست عام 1949 لتقديم المساعدة لنحو 5.9 ملايين لاجئ فلسطيني في غزة والضفة الغربية، بما فيها شرقي القدس، والأردن وسوريا ولبنان.
تحديات وجودية ومقاومة قانونية
مديرة التواصل والإعلام في الأونروا، جولييت توما، أكدت أن الأمم المتحدة لا تخطط لاستبدال الوكالة أو تقليص عملها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، داعيةً الكنيست الإسرائيلي إلى التراجع عن قراره الذي يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي. وقالت توما، في تصريحات إعلامية، إن "الوقت ينفد لفرض حظر محتمل على الوكالة مما سيمنعها من تقديم خدماتها الأساسية للاجئين الفلسطينيين".
وأضافت أن قرار الحظر يعكس توجهًا سياسيًا لتهويد القدس المحتلة وإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، ما يجعل وجود الأونروا في المنطقة ضرورة إنسانية وسياسية.
الاستهداف في سياق تاريخي
يُعد قرار حظر الأونروا تتويجًا لحملة إسرائيلية بدأت منذ عام 2018، حين دعت حكومة نتنياهو الولايات المتحدة إلى تقليص تمويل الوكالة بزعم أنها "تطيل أمد قضية اللاجئين". لكن تسارع استهداف الأونروا بعد هجمات أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث زعم الاحتلال أن 10% من موظفي الوكالة في غزة مرتبطون بحركة "حماس"، وهو ادعاء أدى إلى وقف دعم تسع دول أوروبية للوكالة.
في السنوات الأخيرة، صعّدت بلدية القدس التابعة للاحتلال من إجراءاتها ضد الأونروا، بدءًا من محاولات إنهاء خدماتها في مخيم شعفاط للاجئين، ووصولًا إلى خطة لمصادرة مقر الوكالة الرئيسي في حي الشيخ جراح وتحويله إلى مشروع استيطاني يضم أكثر من 1400 وحدة سكنية.
تداعيات القرار على اللاجئين الفلسطينيين
1. التعليم والرعاية الصحية: يقدم قطاع التعليم في الأونروا خدماته لنحو نصف مليون طالب في مدارسها، بينما توفر الرعاية الصحية الأولية لملايين اللاجئين. قرار الحظر يهدد بوقف هذه الخدمات الحيوية.
2. التمويل وتدهور الأوضاع الإنسانية: يعاني اللاجئون الفلسطينيون بالفعل من أزمات معيشية حادة نتيجة نقص التمويل والدعم الدولي للأونروا. ومن شأن القرار الإسرائيلي أن يُفاقم هذه الأزمات ويعرض اللاجئين لخطر الجوع والمرض.
3. الحق في العودة: يُعد وجود الأونروا تذكيرًا دائمًا بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم وقراهم التي هُجروا منها عام 1948. حظر الوكالة هو محاولة لتصفية هذا الحق وتجريد اللاجئين من هويتهم الوطنية.
ردود فعل محلية ودولية
محليًا، أدانت الفصائل الفلسطينية القرار الإسرائيلي، واعتبرته محاولة لتصفية قضية اللاجئين. وقالت حركة حماس إن الاحتلال يسعى إلى فرض أمر واقع في القدس المحتلة والقضاء على الهوية الوطنية للاجئين الفلسطينيين.
أما دوليًا، فقد عبّرت الأمم المتحدة عن قلقها من القرار الإسرائيلي، وأكدت التزامها بدعم الأونروا وتقديم الخدمات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين. كما دعت منظمات حقوق الإنسان المجتمع الدولي للضغط على (إسرائيل) للتراجع عن القرار.
ويمثل قرار حظر الأونروا امتدادًا للسياسات الإسرائيلية الرامية إلى تهويد القدس المحتلة وتقويض القضية الفلسطينية. فمنذ احتلال شرقي القدس عام 1967، سعت (إسرائيل) إلى تغيير الطابع الديموغرافي للمدينة عبر تهجير سكانها الفلسطينيين، وحرمانهم من حقوقهم المدنية، واستبدال المؤسسات الفلسطينية بمؤسسات تابعة للاحتلال.
كما أن القرار يعكس استراتيجية طويلة الأمد لتصفية قضية اللاجئين، التي تُعتبر إحدى القضايا الجوهرية في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. فمن خلال تقويض دور الأونروا، تحاول (إسرائيل) إزالة أي رمز دولي يشير إلى معاناة اللاجئين وحقهم في العودة.
ويمثل قرار حظر الأونروا تحديًا خطيرًا لمستقبل اللاجئين الفلسطينيين والقضية الفلسطينية ككل. وفي ظل غياب تحرك دولي حازم، تستمر (إسرائيل) في فرض وقائع جديدة على الأرض، تهدف إلى محو الهوية الفلسطينية وتصفية الحقوق الوطنية.
ويناشد الفلسطينيون المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، والوقوف بحزم في وجه سياسات الاحتلال، لحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين وضمان استمرار عمل الأونروا كمظلة دولية للدفاع عن حقوقهم المشروعة.