عملية (كدوميم) ضربة لأمن الاحتلال وكشف لعورة السلطة

غزة - محمد العرابيد

في الوقت الذي تشهد فيه الضفة الغربية حملة أمنية مسعورة منذ السابع من أكتوبر 2023، جند خلالها جيش الاحتلال قدراته العسكرية والاستخبارية، بالتعاون مع أجهزة السلطة، لوأد المقاومة ومنعها من مساندة غزة، جاءت عملية إطلاق نار قرب "كدوميم" في قلقيلية لتربك (إسرائيل).

فالعملية البطولية التي تعتقد أجهزة أمن الاحتلال أن منفذيها من مخيم جنين، والذي يشهد حصاراً أمنياً مكثفاً من أجهزة السلطة منذ أكثر من شهر، دارت خلاله اشتباكات متواصلة للقضاء على المقاومين، تؤكد ثورية ووطنية البندقية التي يحملها الشبان في مخيم جنين، على عكس ما تروجه أجهزة السلطة بأنهم "خارجون عن القانون".

وقُتل صباح اليوم ثلاثة مستوطنين، وأُصيب تسعة آخرون، أحدهم بحالة حرجة، في عملية إطلاق نار بطولية استهدفت مستوطنين في قرية الفندق شرق قلقيلية.

وأفاد شهود عيان أن مقاومين فلسطينيين يستقلون سيارة أطلقوا النار بكثافة صوب حافلة وثلاث مركبات للمستوطنين خلال مرورها في قرية الفندق. وتمكن منفذو العملية من الانسحاب بسلام، فيما شنت قوات الاحتلال عمليات بحث واسعة، وأغلقت مفترقات الطرق، وانتشرت بشكل مكثف في المنطقة، مع تحليق مكثف للطيران في محاولة للوصول إلى منفذي العملية.

 

صفعة للاحتلال والسلطة!

وأجمع محللون سياسيون على أن عملية قلقيلية أربكت أجهزة أمن الاحتلال، خاصة أنه يحكم السيطرة الأمنية على الطرقات في الضفة، كما كشفت عورة أجهزة السلطة الأمنية وأحرجتها أمام أبناء شعبها.

يرى المحلل السياسي وسام عفيفة أن عملية "كدوميم" جاءت في ذروة الحملة الأمنية (الإسرائيلية) التي تستهدف شمال الضفة المحتلة، لتشكل صفعة مزدوجة لكل من الاحتلال وأجهزة أمن السلطة.
وقال عفيفة في حديث لـ"الرسالة": "بينما تتصاعد العمليات المشتركة التي تعتمد على التعاون الأمني، تُظهر العملية فشلاً ذريعاً في تحقيق الأهداف المعلنة للحملة، حيث تمكن المقاومون من تنفيذ هجوم نوعي أودى بحياة ثلاثة مستوطنين وأصاب ستة آخرين، بالرغم من القبضة الأمنية المشددة والملاحقات المكثفة".

وأكد عفيفة أن هوية المنفذين المعروفة لدى الاحتلال، بوصفهم "مطلوبين" من مناطق جنين وقباطية، تعكس قدرة المقاومة على تحدي الإجراءات الأمنية المعقدة والعمليات العسكرية المستمرة، مما يضعف الثقة بفعالية التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية.

وأشار إلى أن تسليم أجهزة السلطة منفذة عملية دير قديس لجيش الاحتلال يبرز الدور المتنامي للسلطة في دعم هذه الحملة، لكنه في الوقت ذاته يعمق أزمتها الشعبية ويُظهر تآكل مصداقيتها الوطنية.


المقاومة مستمرة!

ويرى المحلل السياسي عفيفة أن العملية أحرجت اليمين (الإسرائيلي) المتطرف داخل حكومة الاحتلال، الذي يواجه ضغوطاً داخلية بسبب عدم تحقيق اختراق في مواجهة تصاعد المقاومة في الضفة.
ونوّه إلى أن تصريحات وزير الحرب (الإسرائيلي)، "يسرائيل كاتس"، حول رفض "واقع غزاوي" في الضفة، تُبرز هاجس الاحتلال من امتداد نموذج المقاومة المسلحة في غزة إلى الضفة، مما يفرض عليه إعادة النظر في خططه العسكرية التي فشلت خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية في كبح جماح العمل المقاوم.

وأشار عفيفة إلى أن عملية قلقيلية بما تحمله من دلالات تؤكد أن المقاومة مستمرة في قلب الطاولة على الحسابات الأمنية والسياسية للاحتلال، وتفرض عليه تحديات في ظل فشله في تحقيق إنجاز حاسم رغم تصعيده المستمر.

ضربة للتنسيق الأمني!

من جانبه، يرى الكاتب السياسي ياسين عز الدين، وهو متابع للشؤون السياسية في الضفة المحتلة، أن توقيت عملية قلقيلية جاء في وقت حساس جداً، حيث تتعثر عملية السلطة في مخيم جنين، وبدأ صبر الاحتلال ينفد، خاصة أنه أوقف هجماته على جنين لإعطاء المجال لعملية السلطة.

وأوضح عز الدين في حديث لـ"الرسالة"، أنه وفقاً للاحتلال، جاء منفذو العملية من جنين، مما دفع قيادات المستوطنين، وبالأخص (سموتريتش) و(بن غفير)، للتساؤل عن جدوى التنسيق الأمني مع السلطة.

وقال: "نحن أمام مفترق طرق؛ فهل سيتوقف رهان الاحتلال على السلطة أم يتمسك بها على قاعدة أنها أفضل من لا شيء؟ تيار الصهيونية الدينية ينادي بوقف الاعتماد على السلطة، لكن قيادة الأجهزة الأمنية، خاصة الجيش والشاباك، يدركون أنه لا يمكنهم الاستغناء عنها. ويبدو أن نتنياهو سيأخذ في الاعتبار مخاوف الأجهزة الأمنية".

وأشار عز الدين إلى أن عملية قلقيلية هي ضربة للتنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال، بالإضافة إلى كونها ضربة مؤلمة لمنظومة الأمن المشددة التي يفرضها جيش الاحتلال في شوارع الضفة الالتفافية، وقد تؤدي إلى تقويض ثقة الاحتلال بالسلطة.

الضفة.. ساحة المواجهة الأهم!

بدوره، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا أن ما حدث اليوم في قلقيلية يثبت مجدداً أنها ساحة المواجهة الأهم مع الاحتلال، وأن المقاومة فيها لا تزال تقض مضاجع الكيان الغاصب.

وأكد القرا في حديث لـ"الرسالة" أن عمليات الاشتباك والرد على جرائم الاحتلال تثبت أن إرادة الشعب الفلسطيني أقوى من كل محاولات القمع والإبادة.

ولفت إلى أن تصريحات الإرهابي "سموتريتش" ضد نابلس وجنين وتحريضه المستمر على ارتكاب المزيد من الجرائم بحق الفلسطينيين تكشف دموية الاحتلال، الذي لا يتوقف عن استهداف مدن الضفة ورموز مقاومتها.

وأشار إلى أن الضفة ستبقى عصية على الكسر، وشبابها المقاوم هم خط الدفاع الأول عن الأرض والمقدسات، مهما تصاعدت جرائم الاحتلال وتهديداته.

ونوّه إلى أن العملية جاءت في ظل الحملة الأمنية التي تشنها السلطة على مخيم جنين، مما يؤكد أن المقاومة لا تنحصر في جنين وحدها بل تنتشر في مناطق واسعة من الضفة المحتلة.

وأوضح القرا أنه رغم كل العقبات التي تواجه المقاومة الفلسطينية من أجهزة السلطة وجيش الاحتلال وعمليات الاغتيال ومحاصرة جنين وعزلها، إلا أن هناك عمليات بطولية تؤلم الاحتلال.

وتوقع القرا أن ترتفع وتيرة العمليات البطولية في الضفة المحتلة، خاصة في ظل حالة الضغط التي يمارسها الاحتلال والسلطة.