في قلب الحرب المدمرة التي اجتاحت قطاع غزة منذ أكثر من خمسة عشر شهرًا حيث كانت أصوات القصف والدمار تملأ الأفق، كان هناك مكان خرج من بين ضجيج المعركة، يحمل رسالة واحدة: الأمل.
في مواصي خان يونس، حيث دمرت الحرب كل شيء، قررت الدكتورة وفاء أبو جلالة أن تخلق شيئًا من العدم، لتصنع عالمًا آخر للأطفال الذين فقدوا كل شيء.
(قرية الوفاء) كانت حلمًا صغيرًا في عالم مليء بالآلام والدماء، حيث عملت وفاء وفريقها بكل جهدهم لتوفير ملاذ آمن للأطفال الذين عانوا من فقدان أحبائهم وكان الواحد منهم هو الناجي الوحيد فقط من عائلته.
هنا، في غرف ملونة، مليئة بالألوان والفرح، يحاول الطاقم نقل الأطفال من واقعهم الموجع إلى عالم أكثر إشراقًا، ولو جزئيًا.
هذه الغرف ليست مجرد جدران وأثاث، بل هي مكان للشفاء النفسي، تتيح لهؤلاء الأطفال الهروب من ماضيهم المظلم، ولو لبضع ساعات.
تقول وفاء صاحبة الفكرة والمسؤولة عن القرية: "كان هدفنا أن نبني لهم عالمًا آخر، أن نعيد لهم طفولتهم التي سرقتها الحرب، من خلال الترفيه والعلاج النفسي، كنا نحاول أن نعيد الأمل إلى قلوبهم المكسورة".
هناك زاوية للرسم حيث كان الأطفال يعبّرون عن أنفسهم بألوان الطيف، ومطبخ صغير حيث كانوا يعدون الطعام معًا، تعلموا من خلاله التعاون والمحبة.
ولكن الأهم من كل ذلك، كان الدعم النفسي الذي تلقاه كل طفل، سواء من خلال اللعب أو الحديث أو مجرد وجود من يستمع لهم.
ولم تكن قرية الوفاء مجرد ملاذ مؤقت؛ كانت محاولة لإنقاذ 200 طفل من اليتم والإصابة، وتوفير الدعم النفسي والعلاج للاضطرابات التي يعاني منها هؤلاء الأطفال بسبب فقدان عائلاتهم.
ورغم الصعوبات التي يواجهونها، كان الأطفال يتعلمون تدريجيًا كيفية التكيف مع حياتهم الجديدة في ظل هذه الظروف القاسية.
تضيف وفاء: "هؤلاء الأطفال هم الشريحة الأكثر تضررًا، لم يفقدوا فقط أمهاتهم وآباءهم، بل فقدوا أي أمل في غدٍ أفضل".
وكان العلاج النفسي جزءًا أساسيًا من كل نشاط في الدار، وكان المطلب الأهم هو الوصول إلى مرحلة تعاف نفسي كامل قبل أن يتم الانتقال إلى مرحلة التعليم.
وفي تقرير حديث لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، تم الكشف عن أن حوالي 17 ألف طفل في غزة قد أصبحوا يتامى نتيجة للعدوان المستمر، ليضافوا إلى قائمة الضحايا الذين فقدوا كل شيء
يضاف إلى هذه المأساة أن تقرير الأونروا أشار إلى أن طفلًا من كل 6 أطفال تحت سن السنتين يعاني من سوء التغذية الحاد في شمال غزة، بينما يواصل الأطفال الموت ببطء تحت أنظار العالم، إذ يموت الأطفال بسبب القنابل والمزيد منهم يموتون الآن بسبب عواقب الحصار.
هذه الأعداد المتزايدة والمروعة من الموت كان يمكن الوقاية منها تمامًا، لكنه الاحتلال، الذي يدمن الوقوف على جثث الأطفال، وكأن قتلهم هواية جيش الاحتلال.
تحاول الدكتورة وفاء مع طاقم متطوع أن تعيد للأطفال بهجتهم، وإن بدى هذا الأمر مستحيلًا تحت استمرار القذائف المتساقطة على رؤوس الجميع، والتي لا يستثني الاحتلال أحدًا منها، حتى غرف صغيرة ملونة تحتضن ما تبقى من الطفولة.
لكن رغم كل شيء في كل صباح، يأتي الأطفال إلى غرفهم، وجوههم مشرقة بالأمل، ليبدأوا يومًا جديدًا بعيدًا عن كل ما يعيشونه من خوف وقلق طوال الليل، حيث (قرية الوفاء) المكان الذي يعيد لهم الحياة، ولو كانت بداية جديدة على أنقاض الماضي المظلم.