لم تكن الحربُ الإباديَّة الشاملة التي أطلقها النظام الاستعماريُّ الصهيونيُّ ضدَّ الشعبِ الفلسطينيِّ في قطاعِ غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 مجرَّد ردِّ فعلٍ معزولٍ عن السياقِ التاريخيِّ، بل كان هجوم ذلك اليوم مجرد محفِّزٍ استدعى الفكر الإباديَّ الراسخ في بنية المجتمع الصهيوني بكل مستوياته وتشكيلاته السياسيَّةِ والمجتمعية، والذي يقوم على أساس التطهير العرقيِّ ومحو وجود الشعب الفلسطيني، اعتقاداً بأن الوجود الفلسطينيَّ نقيضٌ للرواية الصهيونية المؤسَّسة على فكرة "أرض بلا شعب لشعبٍ بلا أرض".
إنَّ قراءةً إحصائيَّةً سريعةً لطبيعة الأهداف التي شملتها الحرب الصهيونية وشمول هذه الأهداف لكل مقومات المجتمع وشخصياته المؤثرة في كل الميادين يؤكد أنَّ الحرب الصهيونية تجاوزت مجرد السعي إلى تقويض القوى العسكرية للمقاومة إلى تقويض المجتمع نفسه وخلق بيئة طاردة تجبر السكان على الهجرة، وهو الهدف الأول للحركة الصهيونية منذ تأسيسها.
في هذه الورقة نرصد أمثلةً للتصريحات والمواقف من قبل الوزراء وأعضاء الكنيست، ومسئولي المعارضة في الكيان الاستعماري التي جاءت بعد عملية 7 أكتوبر 2023 وكذلك المواقف التي سبقت هذا التاريخ، وهي تؤكد عمق الثقافة الإبادية في المجتمع الصهيوني في كل مستوياته في التعامل مع الوجود الفلسطينيِّ، وأن هذه الثقافة لم تكن رد فعل على عملية "طوفان الأقصى" بل هي مرتبطة ببنية المجتمع نفسه وظروف نشأته التاريخية، وأن رسوخ هذا الفكر كان مغذياً للحرب الإبادية على غزة ومطيلاً لأمدها وشدتها.
الاستهداف الشامل للوجود الفلسطيني في غزة
تشير الإحصاءات بوضوحٍ إلى أن حكومة الاحتلال وجيشه عملوا وفق خطةٍ ممنهجةٍ لتقويض مقومات الحياة والمجتمع الفلسطينيِّ في غزة، وأنهم اتخذوا من هذه الحرب غطاءً لجعل ظروف البقاء مستحيلةً للسكان بعد انتهاء الحرب.
وهذه بعض المؤشرات على الطبيعة الإبادية للحرب وفق المكتب الإعلامي الحكومي حتى أكتوبر 2024:
ضحايا الحرب: أكثر من 16,000 طفل و11,000 امرأة.
النزوح القسري: أكثر من مليوني نازح تركوا منازلهم بفعل القصف.
التدمير الشامل:125 مؤسسة تعليمية دمرت كلياً، و337 دمرت جزئياً.
814 مسجداً دمر بشكل كامل، و148 تضررت جزئياً.
150,000 وحدة سكنية دمرت بالكامل، و80,000 أصبحت غير صالحة للسكن
البنية التحتية:3,130 كيلومتراً من شبكات الكهرباء و330,000 متر طولي من شبكات المياه دمرت بالكامل.
2,835,000 متر طولي من الطرق والشوارع أصبحت غير قابلة للاستخدام.
الخسائر الاقتصادية: تقدّر الخسائر المباشرة بحوالي 35 مليار دولار.
هذه الأهداف كلها ذات طبيعة مدنية وهي تستهدف قدرة الشعب على البقاء في أرضه، وهو الهدف الصهيوني الاستراتيجي القديم الذي يسعى إلى محو الوجود الفلسطيني.
التصريحات الإباديَّة لمسئولي حكومة الاحتلال
خلال هذه الحرب رصدت العديد من التصريحات الإعلامية لكبار المسئولين السياسيين والعسكريين في الدولة الاستعمارية الصهيونية التي حملت تعبيراً صريحاً عن نيَّة الإبادة الشاملة ضد الفلسطينيين، هذه التصريحات تؤكد أن العدد المهول من الضحايا والتدمير ليس مجرد نتيجة اضطرارية للحرب، بل تم وفق خطةٍ مقصودةٍ من دولة الاحتلال.
تصريحات القيادة السياسية والعسكرية
- رئيـس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في 7 أكتوبـر2023 في خطـاب متلفـز مـن مكتـب الصحافـة الحكومي وجه رسالةً إلى أهالي غزة "أن يغادروا الآن" .
- وفي 15 / أكتوبــر2023 صـرح رئيـس الـوزراء بـأن الجنود الإسرائيليين "يفهمـون نطـاق المهمة" وهـم مسـتعدون لهزيمة "الوحـوش المتعطشة للدمـاء التـي قامـت لتدميرنـا".
- وفي 16 نوفمبـر 2023 في خطــاب رســمي للكنيســت الإسرائيلي، وصــف نتنياهو الوضــع بأنــه "صــراع بــن أبنــاء النـور وأبنـاء الظلام، بـن الإنسانية وقانـون الغـاب"
- وفي 28 / أكتوبـر 2023 مــع اســتعداد جيش الاحتلال للغزو البــري لغــزة، اســتحضر نتنياهو قصـة التدميـر التـام للعماليـق (مصطلح في الكتب الدينية اليهودية يشير إلى سكان فلسطين القدماء) مـن قبـل بنـي إسـرائيل، قائـلاً:
"يجـب عليـك تذكـر مــا فعلــه العماليــق بــك، كمــا تقــول كتبنــا المقدسة. ونحــن نتذكــر".
وأشــار نتنياهو مـرةً أخـرى إلـى العماليـق في الرسـالة المرسلة في 3 نوفمبـر 2023 إلـى الجنود والضبـاط الإسرائيليين. تقـرأ فاستدل بنص من الكتاب يقول:
"الآن اذهـب، هاجـم العماليـق، وأحـرم كل مـا يخصـه، لا تشـفق علـى أحـد، بـل اقتـل علـى حـد سـواء الرجـال والنسـاء، الأطفال والرضـع، الثيـران والأغنام، الجمال والحمير".
- في 12 أكتوبر2023 أوضح رئيس الدولة في النظام الاستعماري إسـحاق هرتسـوغ أن (إسـرائيل) لا تميز بـن المسلحين والمدنييـن في غـزة، حيـث صـرح في مؤتمرٍ صحفـيٍّ لوسـائل الإعلام الأجنبية - فيمـا يتعلـق بالفلسطينيين في غـزة، والذيـن يزيـد عددهـم عـن مليـون طفـل:
"إنهـا أمـة بأكملهـا هنـاك مسـؤولة. ليـس صحيحـا هـذا الخطاب عـن المدنيين غيـر المدركين وغيـر المشاركين، ليـس صحيحـا علـى الإطلاق... وسـنقاتل حتــى نكســر عمودهــم الفقــري".
- وزيـر الجيش الصهيوني يوآف غالانت في 9 / أكتوبـر 2023 صرح بــأن (إســرائيل) "تفــرض حصــاراً كاملاً علــى غــزة، لا كهربــاء، لا طعــام، لا مــاء، لا وقــود، كل شــيء مغلــق، وأضاف: نحــن نقاتــل حيوانــات بشــرية".
- وزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير في 10 نوفمبر 2023 صرَّح في خطـاب تلفزيونـي، قائلاً:
"لتكـن الأمور واضحـة، عندمـا نقـول إن حمـاس يجـب أن تُدمـر، فهـذا يعنـي أيضـا الذيـن يحتفلـون، والذيـن يدعمـون، والذيـن يوزعـون الحلوى - جميعهـم إرهابيـون، ويجـب أن يدمَّروا".
- يسرائيل كاتس (وزير الجيش لاحقاً) صرح في 13 أكتوبـر2023 علــى تويتــر:
"جميــع الســكان المدنيين في غــزة مأمــورون بمغادرة المكان فــورا، ســننتصر، لــن يتلقــوا قطــرة مــاء أو بطاريــة واحــدة حتــى يغــادروا العالــم."
- وزيــر التــراث الإسرائيلي أميحاي إيلياهو في 1 نوفمبــر 2023 نشــر علـى فيسـبوك:
"شـمال قطـاع غـزة، أجمـل مـن أي وقـت مضـى، كل شـيء مدمـر ومسـطح، متعـة بصريـة حقيقيـة... يجـب علينـا التحـدث عـن اليـوم التالـي.
في ذهنـي، سـنوزع قطـع الأراضي علـى كل مـن قاتـل مـن أجـل غـزة علـى مـر السـنين وعلـى الذيـن تم إخلاؤهم مـن غـوش قطيـف".
وفي وقــت لاحق، علَّق ضــد المساعدات الإنسانية قائــلاً: "لــن نقــدم مســاعدات إنســانية للنازييــن".
"ولا وجــود لمدنييــن غيــر متورطـيـن في غــزة"، كمــا طــرح فكـرة الهجـوم النـووي علـى قطـاع غـزة.
- رئيس الشاباك السابق آفي ديختــر في 11 / نوفمبــر2023 اســتذكر في مقابلــة تلفزيونيــة نكبــة 1948 "التــي تم فيهــا إجبــار أو فــرار أكثــر مــن 80 % مـن السـكان الفلسطينيين من منازلهم وبلداتهم في دولة (إسرائيل) تمهيداً لقيامها".
قائلاً : "سننفذ نكبةً جديدةً ضد أهل غزة تنسيهم نكبة 1948".
- نائــب رئيــس الكنيســت وعضــو لجنة الشــؤون الخارجية والأمن نسيم فاتوري في 7 أكتوبــر 2023 ّ ، قال "الآن لدينــا جميعــا هــدف مشــترك - محــو قطــاع غــزة مــن علــى وجــه الأرض. أولئــك الذيــن لا يســتطيعون ســيتم اســتبدالهم".
- منســق أنشــطة حكومة الاحتلال في المناطق المحتلة اللواء غسان عليان صرح في 9 أكتوبر 2023 في بيــان فيديــو موجــه إلــى حمــاس وســكان غــزة، نشـرته القنـاة الرسـمية:
"حمـاس أصبحـت مثل داعش ومواطنو غزة يحتفلون بدل أن يشعروا بالرعب، الحيوانات البشرية تعامـل وفقاً لذلـك. فرضـت (إسـرائيل) حصـاراً كاملاً علـى غـزة، لا كهربـاء، لا مــاء، فقــط الضــرر، أردتم جهنــم، ســتحصلون عليهــا".
- قائـد في الكتيبـة 2908 في الجيش الإسرائيلي يائير بن داود في فيديـو نشر في 21 ديسمبر 2023 قال:" إن الجيش الإسرائيلي دخـل بيـت حانـون وفعـل هنـاك كمـا فعـل شـمعون وليفـي في نابلـس"، وأن "كل غـزة يجـب
أن تشـبه بيـت حانـون"، في إشـارة إلـى تدمير بيت حانون بالكامل.
وقصد بما فعل شمعون وليفي في نابلس ما ذكره النص الكتابي: "في اليـوم الثالـث، عندمـا كانـوا في ألـم، أخـذ شـمعون وليفـي، اثنـان مـن أبنـاء يعقـوب، أخـوة دينـا، كل واحـد مـع سـيفه، جـاءوا إلـى المدينة دون مضايقـات، وقتلـوا كل الذكـور".
تصريحات أعضاء الكنيست
- بتاريخ 29 أكتوبر 2023 غردت عضو الكنيست Revital Gottlieb في منصة X
"لتحترف قريتك"!! بالنسبة لي، إنه لأمر معنوي عظيم أن تتمنى محو غزة وإشعال النار فيها، لقد قلت في كثير من الأحيان أن الانتقام هو قيمة، دع قريتهم تحترق."
- بتاريخ 10 أكتوبر 2023 غردت نفس العضو ريفيتال غولتيب على صفحتها:
"وحده انفجار يهز الشرق الأوسط سيعيد لـ(إسرائيل) كرامتها وقوتها وأمنها! حان الوقت ليوم القيامة. إطلاق صواريخ قوية بلا حدود، سحق وتسوية غزة، وإلا فإننا لم نفعل شيئا.
بلا رحمة! بلا رحمة!"
- بتاريخ 1 نوفمبر 2023 قالت عضو الكنيست كيتي كاترين شطريت على القناة العبرية 14:
"لقد استخدموا كلمة الانتقام كثيرًا، لا أعتقد أن هذا انتقام، بل هو عدالة، إذا سألتني على المستوى الشخصي - أنا أسوي غزة بالأرض، ليس لدي أي مشاعر، لأنه لا ينبغي فصل قتلة النساء والأطفال عن مواطني غزة".
- بتاريخ 1 نوفمبر 2023 كتبت عضو الكنيست Galit Distel على صفحتها في منصة X :
"لا تكرهوا بعضكم البعض، الوحوش تكرهك بما فيه الكفاية، اكره العدو، اكره الوحوش.
استثمر هذه الطاقة في شيء واحد؛ محو غزة كلها من على وجه الأرض.
إن الوحوش الغزية ستطير إلى السياج الجنوبي وتحاول الدخول إلى الأراضي المصرية.
أو سوف يموتون، وموتهم شر، غزة يجب أن تمحى، والنار والدخان على رؤوس النازيين في يهودا والسامرة.
هناك حاجة هنا إلى جيش إسرائيلي انتقامي وقاس، وأي شيء أقل من ذلك فهو غير أخلاقي".
- بتاريخ ا نوفمبر 2023 كتب عضو الكنيست إلياهو رفيفو على صفحته في منصة X
"مشاهد 7 أكتوبر 2023 أوصلتني إلى إدراك أن كل سكان قطاع غزة الذين لا يحاربون إرهاب غزة يستحقون الموت.
أنا على قناعة بأنه سيكون من الممكن إجلاء القلة من العقلاء من القطاع.
لذلك، كلي أمل وتوقع أن يوضح أصحاب القرار للعالم مسألة تحديث أهداف الحرب، سحق غزة على جميع سكانها."
- بتاريخ 30 نوفمبر 2023 كتب أفيغدور ليبرمان عضو الكنيست ووزير الجيش الأسبق ورئيس حزب "إسرائيل بيتنا' على صفحته في تويتر تغريدةً قصيرةً نصُّها: "لا يوجد أبرياء في غزة".
- بتاريخ 16 أكتوبر 2023 كتب عضو الكنيست Boaz Bismuth في صفحته على تويتر:
"يجب ألا ننسى أن "المواطنين الأبرياء" القساة والوحشيين من غزة شاركوا أيضًا بدور نشط في المذبحة داخل مستوطنات (إسرائيل)، في القتل المنهجي لليهود وسفك دماءهم، في اختطاف الأطفال والمسنين والأمهات وفي لعق الأطفال وحرقهم أحياء!
ممنوع الرحمة بالقاسيين، لا مكان لأي لفتة إنسانية - يجب الاحتجاج على ذكرى العماليق!"
- في 14 يناير 2025 قالت صحيفة هآرتس إن ثمانية أعضاء في الكنيست يدعون وزير الحرب الصهيوني لإصدار أمر بتدمير مصادر المياه والغذاء والطاقة في شمال غزة، وأضافت أن "الأعضاء الثمانية من لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست يطالبون الجيش بتطهير شمال غزة من السكان.
وذكرت الصحيفة، أنّ النواب يطالبون الجيش باستخدام الحصار وتدمير البنية التحتية وقتل أي شخص لا يرفع الراية البيضاء".
الثقافة الإباديَّة والعنصريَّة في فتاوي الحاخامات اليهود
في بداية الحرب الإبادية على غزة وبتاريخ 1 نوفمبر 2023، وجَّه 43 حاخاماً يهودياً رسالة إلى نتنياهو، حسبما نقلت القناة الإخبارية "14" العبرية.
جاء في رسالة الحاخامات أنه لا يوجد أي حظر شرعي (ديني) وأخلاقي على إيذاء العدو، في حال استخدم المدنيين دروعا واقية ويختبئ خلفهم على أمل ألا يؤذوه".
وأشارت الرسالة إلى "أنه على الرغم من ضرورة تحذير السكان مسبقا، فإن اللوم يقع على عاتق القتلة الذين يختبئون خلفهم".
وكتبوا: "إذا سالت دماء بريئة في مثل هذا العمل (قصف مستشفى الشفاء)، فإن اللوم يقع فقط على رأس القتلة المتوحشين ومناصريهم".
تعدُّ فتاوي الحاخامات ركيزةً أساسيةً في تشكيل العقيدة الإباديَّة في المجتمع الصهيونيِّ، وللتدليل على تأثير هذه الفتاوي، فقد أشارت دراسة صادرة عن قسم العلوم الاجتماعية بجامعة بار إيلون الصهيونية في عام 2009 إلى أن أكثر من 90% ممن يصفون أنفسهم بأنهم متدينون يرون أنه لو تعارضت الخطوات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية مع رأي الحاخامات فإن الأولى تطبيق رأي الحاخامات.
كما ذكرت الدراسة أن أكثر من 95% من الجنود المتدينين أكدوا أنهم لا يمكنهم الانصياع لأوامر عسكرية تصدر لهم دون أن تكون متسقة مع الفتاوى الدينية التي يصدرها الحاخامات والسلطات الدينية.
واتسم تاريخ فتاوي الحاخامات بالدعوة الصريحة إلى قتل الفلسطينيين وتدمير ممتلكاتهم:
- أصدر الحاخام الأكبر السابق مردخاي إلياهو فتوى عقب مذبحة المسجد الإبراهيمي في الخليل في 25 فبراير 1994 أباح فيها "قتل النساء والأطفال من الفلسطينيين العرب وكل المعادين لإسرائيل"، مبرئاً (اليهودي المتطرف منفذ العملية) باروخ غولدشتاين من فعلته.
- في يوم 6 مارس 2008 صدرت فتوى عمَّا يعرف باسم "رابطة حاخامات أرض إسرائيل" برئاسة الحاخام دوف ليئور أباحت لجيش الاحتلال قصف التجمعات السكانية الفلسطينية بدون تمييز، وجاء في هذه الفتوى أن "الشريعة اليهودية تبيح قصف التجمعات السكانية المدنية الفلسطينية، والتوراة تجيز إطلاق قذائف على مصدر النيران حتى لو كان يتواجد فيه سكان مدنيون"، ولم يفت الموقعون على الفتوى التأكيد أنه لا يجب على الجيش تحذير المدنيين قبل عملية القصف.
- في 13 يونيو 2008 أصدر 15 حاخاماً برئاسة الحاخام يعكوف يوسف نجل الرئيس الروحي لحركة "شاس" الحاخام عفوديا يوسف، فتوى صريحة تدعو للمس بالمدنيين الفلسطينيين بعد كل عمل مقاوم يستهدف يهوداً، حيث أجازت الفتوى أيضاً تدمير ممتلكات المدنيين الفلسطينيين على اعتبار أن هذا السلوك يمثل عملاً "رادعاً يوضح للفلسطينيين الثمن الباهظ الذي تنطوي عليه محاولة المس باليهود".
وبحسب هذه الفتوى فإنه ليس شرطاً أن يقوم الفلسطينيون بتنفيذ عمل مقاوم ضد اليهود حتى يتوجب القيام بعمليات انتقامية ضدهم، وإنما يكفي أن تكون هناك دلائل على وجود نية لديهم للقيام بهذا العمل.
- نشرت صحيفة هآرتس عام 2008 فتوىً لعدد من حاخامات اليهود في الكيان أفتوا فيها بأنه يتوجب على اليهود تطبيق حكم التوراة الذي نزل في قوم عملاق على الفلسطينيين، ونقلت الصحيفة عن الحاخام يسرائيل روزين -رئيس معهد تسوميت وأحد أهم مرجعيات الإفتاء اليهود- فتواه التي سبق أن أصدرها في السادس والعشرين من مارس من عام 2008 بأنه يتوجب تطبيق حكم عملاق على كل من يحمل كراهية (إسرائيل) في نفسه.
وأضاف روزين بأن حكم التوراة ينص على قتل الرجال والأطفال وحتى الرضع والنساء والعجائز، وحتى سحق البهائم.
- في 24 أبريل 2005 أفتى الحاخام الأكبر لمدينة "كفار سابا" شاؤول غولشميت بعدم جواز أن يتبرع اليهودي بدمه لغير اليهودي، ورداً على استفسار أحد الأطباء اليهود المتدينين، قال غولشميت إنه لا يجوز بحال من الأحوال الموافقة على حصول الفلسطينيين الذين يعالجون في المستشفيات الإسرائيلية على الدم من اليهود على اعتبار أنه "لا تجوز المساواة بين الدم اليهودي وغير اليهودي بحال من الأحوال".
- الحاخام الأكبر لمدينة صفد شلومو إلياهو قال في عام 2009: "إذا قتلنا 100 دون أن يتوقفوا عن ذلك فلا بد أن نقتل منهم ألفًا، وإذا قتلنا منهم 1000 دون أن يتوقفوا فلنقتل منهم 10 آلاف، وعلينا أن نستمر في قتلهم حتى لو بلغ عدد قتلاهم مليون قتيل، وأن نستمر في القتل مهما استغرق ذلك من وقت"، وأضاف إلياهو قائلا : "المزامير تقول: سوف أواصل مطاردة أعدائي والقبض عليهم ولن أتوقف حتى القضاء عليهم".
- في مايو عام 2016 دعا عشرات الحاخامات إلى قتل الفلسطينيين وإطلاق النار عليهم، دون حساب، مؤكدين على أنَّ " كل مخرب عربي خرج من بيته، ولديه نية المس باليهود يفقد حقه في الحياة والوجود، ويجب إطلاق النار عليه"، مشددين على دعمهم لما أقدم عليه الجندي الإسرائيلي المجرم، قاتل الشهيد عبد الفتاح الشريف في مدينة الخليل.
الثقافة الإبادية في مناهج التعليم الصهيونيَّة
منذ تأسيسه، كان النظام التعليمي في الدولة الصهيونية الاستعمارية، مشغولًا في "تثقيف الأجيال الشابة"، ضمن بنى الهيمنة الصهيونية، مع محاولة خلق ذاكرة جماعية تساهم في عملية بناء الأمة، وإقصاء ومحو الفلسطيني.
ووفق الباحثة الإسرائيلية نوريت بيليد-إلحنان في كتاب لها بعنوان "فلسطين في الكتب المدرسية الإسرائيلية" نشرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية:
"يجري تأليف الكتب المدرسية المتداولة في (إسرائيل) للشباب اليافعين، الذي سيجري تجنيدهم في الخدمة العسكرية الإلزامية، كي ينفذوا السياسة التي تنتهجها (إسرائيل) في احتلال الأراضي الفلسطينية". مضيفةً: "تتعلق الرواية الصهيونية التي تغرس في عقول طلبة المدارس في (إسرائيل) بصراع مستمر يخوضه اليهود ضد الغزاة من غير اليهود".
وفي تلخيصها للافتراضات المشتركة للكتب المدرسية في (إسرائيل)، ضمن عينة البحث التي عملت عليها، من أواخر التسعينات وحتى العقد الأول من الألفية الجديدة، أشارت نوريت بيليد-إلحنان إلى أنها تدور حول: "الحقوق التاريخية لليهود في أرض (إسرائيل)، والتهديد الذي يشكله العرب وكراهيتهم ومعاداة السامية التي تستشري على مستوى العالم، وللعرب 21 بلدًا ونحن لنا بلد واحد فقط"، وتوضح أنه يُنظر إلى الشعب الفلسطيني باعتباره مشكلة ديمغرافية، وتهديدًا دائمًا ينبغي السيطرة عليه.
وتدور الكتب الصهيونية، ضمن التصور الصهيوني السائد، عن ضرورة محو وإقصاء الفلسطينيين العرب من بلادهم، بما يتضمن ذلك من السيطرة على أكبر كم من الأرض، بكافة السبل الممكنة، وينطوي على ما سبق نزع للإنسانية، واستعلاء، والتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم خطرًا أمنيًا دائمًا، بما يشمل حتى أمننة اللغة العربية.
وحذف الفلسطيني من السرد الصهيوني، ينعكس على الكتب المدرسية في الكيان، إذ: "لا تكاد الكتب المقررة لصغار الطلبة (من الصف الأول حتى الصف الرابع) تأتي على ذكر الفلسطينيين، سواء المواطنون المقيمون في (إسرائيل)، أو في الأراضي المحتلة" (كتاب نوريت، ص 19).
وهو ما يُرى باعتباره مقدمة لـ"المحو" من الأرض، كما ترى نوريت بقولها: "بحسب ما يرد في الكتب المدروسة ضمن هذه الدراسة، فما يعتقد البالغون في (إسرائيل) أنه ينبغي على صغار السن معرفته عن جيرانهم الفلسطينيين، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقناعة هؤلاء البالغين بوجوب إبادة الفلسطينيين أو إقصائهم وتهميشهم وعزلهم وفرض القيود عليهم على الأقل" (كتاب نوريت، ص 116).
كما توضح نوريت: "لا يمكن لأي شيء فلسطيني أن يوجد إلاّ بوصفه عقبة ينبغي التغلب عليها واجتثاثها في الرواية الإسرائيلية، وذلك على النحو الذي تعيد الكتب المدرسية إنتاجه" (كتاب نوريت، ص 147).
وتخلص نوريت إلى أن الكتب المدرسية المتداولة: "تشرعن في مضمونها، قتل الفلسطينيين، باعتباره أداةً ناجعةً تكفل المحافظة على أمن الدولة اليهودية ذات الأغلبية اليهودية" (كتاب نوريت، ص 236).
غياب أيِّ نقدٍ مبدئيٍّ للإبادة من قبل شخصيات المعارضة الصهيونية
مع أن هناك خصوماً سياسيين كثراً لنتنياهو وحكومته الحالية التي أنشأها بالتحالف مع اليمين الديني المتطرف، إلا أن انتقادات هؤلاء الخصوم تركزت على تفاصيل إدارة الحرب التي أخرت إطلاق سراح الأسرى الصهاينة المحتجزين، ولم يصدر تصريحٌ واحدٌ من الأحزاب والشخصيات المعارضة في الدولة الصهيونية للمجازر التي استهدفت المدنيين في غزة أو مشاهد التدمير والتهجير الواسعة التي قام بها نتنياهو.
بيني غانتس الشخصية السياسية الأقوى في صفوف معارضة نتنياهو سارع منذ اليوم الثاني للحرب إلى الانضمام إلى مجلس الحرب للمشاركة في اتخاذ القرارات ضد غزة، واستمر في هذا المنصب حتى 18 مايو 2024 .
وعقب إصدار محكمة الجنايات الدولية أوامر اعتقال بحق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الجيش يوآف غالانت، سارع يائير لابيد رئيس المعارضة الصهيونية إلى إدانة إعلان المدعي العام، ووصفه بأنه "فشل أخلاقي كامل".
وكذلك انتقد بيني غانتس المدعي العام ووصف موقفه ب"الجريمة التاريخية"، وقال "إن دولة (إسرائيل) تقاتل بأكثر الطرق أخلاقية في التاريخ، ملتزمة بالقانون الدولي، ولديها نظام قضائي مستقل وقوي".
تؤكد مواقف المعارضة واصطفافها دون تردد إلى جانب الحكومة في إدانة أيِّ مسعىً دوليٍّ لمحاسبة المسئولين عن جرائم الإبادة، بأن "إبادة الشعب الفلسطيني" عقيدة راسخة في كل مكونات الحياة السياسية في المجتمع الصهيوني، وأنها ليست قضيةً قابلةً للاختلاف وتعدد الآراء في هذا النظام الاستعماري، بل هي مسألةٌ متفقٌ عليها في كافة ألوان الطيف السياسيّ الصهيوني، ولا يتأثر الإجماع عليها بالتنافس الحزبيِّ.
تهديد الضفة بإبادة مماثلة لغزة
- من مؤشرات رسوخ الفكر الإبادي في العقلية الصهيونية تكرار التهديدات الموجهة من قبل وزراء ومسئولين في النظام الاستعماري الصهيوني للضفة بمصيرٍ مشابهٍ لغزة رغم الهدوء الأمني الكبير الذي تشهده الضفة منذ عملية السور الواقي عام 2002 باستثناء عمليات فرديةٍ متفرقةٍ.
- في أغسطس 2024 صرح وزير الخارجية الصهيوني آنذاك يسرائيل كاتس (وزير الجيش حالياً) إنه يجب التعامل مع مخيم جنين بالطريقة نفسها التي يتم بها التعامل مع قطاع غزة ويجب إخلاؤه.
- وفي أعقاب مقتل ثلاثة مستوطنين في عملية فدائيةٍ فلسطينيةٍ في قرية الفندق بتاريخ 6 يناير 2025، قال وزير المالية بتسموئيل سموتريتش:
"إذا أردنا ضمان أمن مناطقنا مثل كفار سابا، يجب أن نتعامل مع مناطق مثل الفندق، ونابلس، وجنين بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع جباليا."
- أما وزير الطاقة إيلي كوهين فقد قال:
"جنين ونابلس يجب أن تعاملا مثل الشجاعية وبيت حانون"
- وفي نفس السياق صرح رئيس مجلس كدوميم، عوزئيل فتيك:
"علينا أن ندخل إلى القرى في الضفة، ونصادر الأسلحة، ونقضي على المسلحين، كما نفعل في غزة، وكما نفعل في أماكن أخرى، علينا أن نفعل الشيء نفسه في الضفة، علينا الدخول وتدمير الأحياء في الضفة."
خلاصة
إنَّ طبيعة الحرب الإبادية الشاملة التي يشنها الكيان الإسرائيلي على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 قد ابتعدت كثيراً عن مجرد رد فعلٍ على الهجوم الفلسطيني، فهذه الحرب تجلي ثقافةً صهيونيةً راسخةً لا ترى في الوجود الفلسطيني إلا خطراً يجب محوه من الوجود.
والإجماع الصهيوني على فكرة الإبادة راسخ لا يتأثر بالاختلافات السياسية الداخلية في الدولة الاستعماريَّة، إذ يغذي الموروث الديني والمناهج التعليمية والفضاء الثقافي العام في الكيان الإسرائيلي نفوس المواطنين بثقافة الإبادة وإلغاء الفلسطيني من الوجود.
هذه العقيدة من القوة بحيث لا يمكن تجاوزها بتسوية سياسية، فعقيدة "الإبادة والتطهير العرقي" هي مكون راسخ يعبر عن نفسه دائماً إما بالوسائل العنيفة، كما يحدث في غزة الآن، أو بوسائل أقل ضجيجاً مثل القوانين العنصرية وضم الأراضي وتضييق الحياة على الفلسطينيين، ولكن الهدف في كل الأحوال واحدٌ.
توصيات المركز
- تعزيز صمود الشعب الفلسطيني
دعم بقاء الشعب الفلسطيني في أرضه وتعزيز عوامل صموده يمثل أولوية وطنية قصوى. يتحقق ذلك من خلال مبادرات تنموية مستدامة تعزز الوجود الفلسطيني في المناطق المهددة بالتطهير أو التهجير.
- عدم التعويل على تأثير الخلافات الداخلية في الكيان الصهيوني
على الرغم من التناقضات السياسية داخل المجتمع الصهيوني، فإن شعور هذا المجتمع بالتهديد يوحده ويؤجل خلافاته. لذا، ينبغي عدم المبالغة في التعويل على هذه الانقسامات، والتركيز بدلاً من ذلك على بناء وحدة وطنية فلسطينية قوية لمواجهة التحديات.
- استحالة التسوية مع العقلية العنصرية الصهيونية
إن العنصرية المتجذرة وعقيدة الإبادة في بنية المجتمع الصهيوني تجعل أي محاولة للتسوية السياسية على أساس التعايش محكومة بالفشل، لذلك، يجب على الفلسطينيين تعزيز ارتباطهم بالعمق العربي والإسلامي والدولي، لتأمين دعم مستدام يعزز صمودهم ومقاومتهم.
- فضح الثقافة الإقصائية الصهيونية عالمياً
تُعد مواجهة الثقافة الإبادية الصهيونية خطوة محورية، وتتطلب ما يلي:
- تسليط الضوء على الجذور الإبادية والعنصرية في الثقافة والفكر الصهيوني، كما تظهر في فتاوى الحاخامات والمناهج التعليمية.
- إعداد ملفات قانونية وحقوقية شاملة حول التصريحات العنصرية الصهيونية، وتقديمها إلى المنظمات الدولية، مثل محكمة الجنايات الدولية ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
- الاستفادة من الحملات الإعلامية الدولية لتوثيق وفضح هذه الثقافة، مع التركيز على معاناة الفلسطينيين، خاصة النساء والأطفال.
- نشر دراسات وأبحاث أكاديمية تسلط الضوء على جذور الفكر الإقصائي الصهيوني وربطه بالسياسات الاستعمارية القائمة.
إنتاج مواد إعلامية، مثل الأفلام الوثائقية والتقارير المصورة، بمختلف اللغات، تُبرز تأثير المناهج التعليمية الصهيونية وخطابات الكراهية على تأجيج الصراع.
مركز الدراسات السياسية والتنموية