«الموت بردًا» كابوس يلاحق أمهات غزة خوفًا على أطفالهن

«الموت بردًا» كابوس يلاحق أمهات غزة خوفًا على أطفالهن
«الموت بردًا» كابوس يلاحق أمهات غزة خوفًا على أطفالهن

خاص- الرسالة نت

على أطراف خيمة مهترئة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، جلست داليا لباد (28 عامًا) تحدّق بصغيرها الذي لم يكمل شهره الثاني، وعيناها غارقتان بالخوف، وصوت الرياح يصمّ أذنيها كإنذار مستمر بأن الموت قد يقترب.
في هذا المشهد البائس، تكمن تفاصيل معاناة تفوق قدرة الكلمات على الوصف. داليا، التي تحوّلت أمومتها إلى قلق لا ينتهي، تقول لـ"الرسالة نت": "أستيقظ في منتصف الليل وأضع يدي على صدر صغيري لأتأكد أن قلبه ينبض، فكل ما أخشاه أن أستيقظ يومًا ولا أسمع نبضه".
أحمد، طفلها الأول، الذي وُلد في ليلة شتوية عاصفة، أصبحت حياته مهددة كل ليلة بسبب البرد القارس الذي ينهش أجساد الأطفال في المخيمات.

لا تتوقف معاناة الأمهات عند الخوف، بل تتحوّل كل ليلة إلى كابوسٍ مرعب. أصبح الحفاظ على حياة الأطفال في هذه الظروف معركة يومية تخسر فيها العائلات فلذات أكبادها.
في خيمة مجاورة، تعيش أم جميل حسونة نفس الكابوس. تقول: "أتحسّس حرارة جسد طفلي بكف يدي، ثم أضمه إلى صدري محاوِلةً بث الدفء فيه لأتجاوز مشكلة قلة الأغطية". وتكمل بحسرة: "ليس لدينا مدافئ، ولا حتى أغطية كافية. كل ما أستطيع فعله هو أن أحتضنه طوال الليل، لكنني لا أملك ضمانة أن ينجو".

لاقت أخبار وفاة الأطفال بسبب البرد في خيام النازحين تفاعلًا واسعًا من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي، حيث شبّه الناشطون ما يحدث لأطفال قطاع غزة بقصة الطفلة "بائعة الكبريت" الخيالية، لكن الفارق هنا أن المأساة واقعية تمامًا.
اجتمعت تفاصيل القصة الخيالية "بائعة الكبريت" مع واقع الألم الذي يعيشه أطفال القطاع، فكلاهما مات بردًا في صقيع لا يرحم.

اتسعت رقعة المعاناة مع غياب الحلول. يقول طبيب الأطفال حسن الحاج: "الخيام التي يعيش فيها النازحون غير مهيأة لمواجهة انخفاض درجات الحرارة، وأجساد الأطفال الصغيرة لا تقوى على تحمل هذا الانخفاض".
ويضيف: "أجساد الأطفال أصبحت ضعيفة بعد فقدانها جزءًا كبيرًا من الدهون والمعادن بسبب المجاعة التي فرضها الاحتلال على قطاع غزة، فمن ينجو من الموت بردًا يعاني من مضاعفات تحتاج إلى وقت طويل لمعالجتها".

وبحسب التقارير، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة عن استشهاد 8 مواطنين بردًا، منهم 7 أطفال. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل جرح لا يندمل في قلب كل أم وأب فقدوا أبناءهم بسبب سقيع الخيام وانعدام وسائل التدفئة.

القصص المؤلمة تتوالى من كل زاوية في المخيم؛ خيام مهترئة لا تقي من البرد، وقلوب أمهات مكسورة من هول المصيبة، وأخريات ترتجف قلوبهن من فكرة أن يأتي الموت بردًا ليخطف أطفالهن من بين أيديهن.

هذه المأساة الإنسانية تتطلب وقفة عاجلة من المؤسسات الدولية. فكل لحظة تمرّ دون تدخل هي حياة جديدة تُسلب من بين أيدي الأمهات.
المشهد في غزة لا يشبه أي مكان آخر؛ أطفال يصارعون البرد ببطون خاوية، أمهات يضعن حياتهن على المحك لإنقاذ أطفالهن، وآباء عاجزون عن تقديم أي شيء سوى التضرع لله بأن يحمي أسرهم.

حرب الإبادة الجماعية التي يعيشها سكان القطاع خلّفت وراءها مئات القصص المأساوية. المخيمات التي أُقيمت كحل مؤقت أصبحت مقابر باردة تُزهق فيها أرواح الأبرياء