أمس، وفي الساعات الأخيرة بين موت وآخر، يترقب كل مواطن فلسطيني في غزة خبراً واحداً في ظل القصف المتواصل وإصرار الاحتلال الغاشم على أن يقدم أبشع ما لديه من قتل في اللحظة الأخيرة قبل الاتفاق على وقف إطلاق النار.
فجراً، اغتالت الطائرات 12 شخصاً من عائلة شقورة، جلهم من الأطفال، لا لسبب يُذكر سوى أنها اعتادت أن تغذي نيران حقدها بقتل الأبرياء والمدنيين. وهذه العائلة كانت تنتظر على أعتاب الخوف قرار وقف إطلاق النار في أي لحظة، فلم يُعطِها الاحتلال حق الفرح.
وفي الجانب الآخر من الحزن، عائلات شتى تنتظر حتى تخطو أولى خطواتها نحو الشمال بعد نزوح دام لثلاثة عشر شهراً، حتى تعود إلى ما تبقى من بيت، تقلب الركام وتدفن أحبتها ومن كانوا يحرسون الجدران في غيابهم، فدفنتهم آلة العدوان.
وبين الانتظار والخوف وارتجاف القلوب، تُعلن وزارة الصحة عن ارتكاب الاحتلال 6 مجازر جديدة في 24 ساعة الأخيرة، ارتقى فيها أكثر من 60 شهيداً، كانوا قبل ساعات ينتظرون اللحظة الحاسمة التي تعطيهم بعض أمل وفرح.
السيدة "نرمين شعت"، حامل في الشهر التاسع، ارتقى ليلة أمس زوجها وجميع أبنائها في مجزرة في خانيونس، كما أُصيبت هي، وعلى إثر الإصابة بُترت قدمها. والآن حان موعد مولادتها، ارتقى الجنين داخل رحمها، خرج إلى الدنيا ميتاً ليلتحق بأبيه وأخوته، ثم وُضعت قدمها المبتورة وجنينها في صندوق ودفنوهما معاً. والآن السيدة نرمين وحيدة بلا زوج، بلا أبناء، بلا رضيع، وبلا قدم!
وهذا الصحافي أحمد الشياح، الذي يعمل في تكية الخير ويوزع المساعدات على المكلومين، يستهدفه الاحتلال بقصف بينما يُفاوض وفده في قطر. تغتال الطائرات الشياح في مواصي خانيونس، ومعه الصحافي أحمد أبو الروس، جنوب قطاع غزة، ويُغتال قبلهما بقليل الأسير المحرر علي المغربي في جنوب قطاع غزة، وهو من محرري صفقة وفاء الأحرار.
ثم بعدها بلحظات، أُعلن عن اتفاقية وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى من العاصمة القطرية الدوحة، التي كانت سبباً لتوحش الاحتلال أكثر، وهو الذي يعشق ممارسة الموت حتى اللحظة الأخيرة.
زاد القصف بشكل ملحوظ، طال قطاع غزة من الشمال حتى الجنوب. بدأ بالشمال، الذي أصبح علامة على قهر العدو. قصف المنازل، وأحرق الأرض المحروقة للمرة الألف.
استهدف منطقة الصفطاوي والشيخ رضوان. من كانوا قبل دقيقة من الارتقاء يرقصون فرحاً لأنهم اعتقدوا أن كابوس القتل سينتهي، ارتقى منهم عشرون مواطناً، جلهم من الأطفال. مربع بالكامل لبيوت كانت تحلم بالأمن، نسف بالكامل فوق رؤوس المستبشرين بالغد.
وفي شرق غزة، ارتقى خمسة مواطنين من عائلة النبيه، في قصف غاشم هزَّ البيوت الفرح، والتي كانت تتابع تطورات وقف إطلاق النار من فوق الجمر الذي لا يريد الاحتلال أن يطفئه.
وكان لغرب غزة نصيب آخر من الموت، حيث لم تهدأ آلية الاحتلال في نسف البيوت التي تخلو في أغلبها من أصحابها، ممارسة واضحة لهواية الدمار والقتل.
وجنوباً، حيث الخيام تتكدس على أوجاع أصحابها وأملهم بالحياة، ارتقى شهداء آخرون في حرق خيام النازحين في مواصي خان يونس، وخيام أخرى في أراضٍ بمدينة دير البلح، وبيوت سقطت على رؤوس النازحين في النصيرات.
سجل الدفاع المدني والطواقم الطبية وشهود عيان أكثر من أربعين شهيداً كحصيلة استطاعوا رصدها، بينما يظل العدد النهائي للشهداء مجهولاً كما في كل ليلة، حيث تحتضن حجارة البيت رفات أحدهم أو بضعاً من أشلائه. شهيد مفقود أو متبخر كان شريكاً قبل دقائق في ممارسة الفرح على وقع أخبار الهدنة القادمة، والتي لم يُقدر له أن يحياها.