لم يُظهر الرداء الرمادي الموحد آثار التعذيب والجوع والتنكيل فقط، بل أكثر ما أظهره هو آثار القهر، ذاك الذي رُسم على الوجوه حتى بات وكأنه جزء من الملامح.
ثمة تشابه غريب يحمله كل المحررين الفلسطينيين على أجسادهم، غير اللون الرمادي: الأجساد هزيلة، والوجوه شاحبة، والرؤوس حليقة، وكأن السجن صبغ صبغته عليهم.
في المقابل، باتت لحظات تسليم أسرى وأسيرات الاحتلال حديث العالم، وتجوب تلك الفيديوهات وسائل التواصل حول العالم، حيث يتساءل كل من يشاهدها: كيف استطاعت كتائب القسام الاحتفاظ بالأسرى وتوفير كامل احتياجاتهم من طعام وشراب ودواء، رغم الحرب والظروف الإنسانية الكارثية؟ وقد أظهرت كل المقاطع المصورة المعاملة الحسنة والمساعدة حتى الثواني الأخيرة التي سبقت تسليمهم لمنظمة الصليب الأحمر.
خرج أسرى الحرية من سجون الاحتلال عنوةً بأكبر وأعظم صفقة تبادل منذ بدء الصراع، ليس فقط لأنها كسرت القيود وفتحت أبواب زنازين كانت بحاجة إلى معجزة كي تُفتح، بل لأنها خلّصت الأسرى من ويلات لم يسبقهم إليها أحد.
روايات الأسرى عن التعذيب والتنكيل والتجويع ليست بحاجة إلى أدلة وشهادات، فقد تكشّفت وحدها لحظة احتضان الأحبة، إذ اجتمعت عليهم ثلاثية الجوع والضرب والبرد، وتم نقل عدد كبير من الأسرى إلى المستشفيات بمجرد خروجهم نتيجة أوضاعهم الصحية الصعبة والإهمال الطبي الذي عانوا منه.
الأسير عبد الله عاجي من بيت لحم، المحكوم عليه بالسجن 12 عامًا، وقد قضى منها 8 سنوات، قال لحظة الإفراج عنه: "من يومين لم آكل، لم يجلبوا لي طعامًا، وحتى النوم كان ببطانية خفيفة جدًا في ظل البرد الشديد".
وأضاف: "منذ أربعة أيام، يتم الاعتداء عليّ بالضرب المبرح".
وأكد أن واقع الأسرى في السجون كارثي من حيث الضرب والتنكيل والتجويع، الذي بات سياسة ممنهجة للاحتلال ضد الأسرى خلال الحرب.
في أحد الفيديوهات، ظهر أسير من طولكرم وقد فقد أسنانه الأمامية، بينما لا تزال آثار الكدمات على فمه الذي لم يسعفه في الحديث كثيرًا، لكنه استجمع قواه وقال: "لقد كان تعامل إدارة السجون معنا وحشيًا، وقد أُصبت منذ شهرين وفقدت كل أسناني الأمامية نتيجة الاعتداء بالضرب المبرح عليّ".
وأضاف الأسير، الذي خرج في الدفعة الثالثة يوم 30 يناير: "التعامل خلال الحرب كان وحشيًا للغاية. كلمة 'نزل راسك' صارت تُقال كثيرًا، أرادونا دائمًا خاضعين ومذلولين، لكن فشروا".
وأكد أن التنكيل استمر حتى الدقائق الأخيرة، إذ تم إرجاع الحافلات إلى داخل السجن وإبلاغ الأسرى بإلغاء الصفقة، قبل أن تخرج الحافلات مرة أخرى.
باتت الإهانة والتنكيل أبرز ما يتعرض له الأسرى، وقد أكد مكتب إعلام الأسرى أن إفادات أسرى محررين في صفقة التبادل كشفت عن تعرضهم للضرب المبرح لأيام متواصلة على يد السجانين قبل الإفراج عنهم، مما أدى إلى إصابة عدد منهم بكسور في الأضلاع.
كما كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت أن إدارة السجون أجبرت الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم على ارتداء سوار يحمل عبارة تحمل إهانة وتهديدًا لهم، لكنها استخدمت الترجمة لطباعة الجملة بالعربية، لذلك لم تكن ناجحة، فلم يفهم أغلب الأسرى ما كُتب.
تلك المعاناة والكارثة التي يعيشها الأسرى جعلت المقاومة تُصر على وضع بند يتعلق بتحسين أوضاع من تبقى من الأسرى داخل السجون، وإعادتها لما كانت عليه قبل الحرب، خاصة بعد استشهاد أكثر من 60 أسيرًا داخل السجون الإسرائيلية بسبب التعذيب.
كما ينقل المحررون أن أسرى غزة تعرضوا لتعذيب مفرط أدى إلى وفاة عدد منهم، كما تم منع المنظمات الحقوقية من مقابلة الأسرى، باستثناء المنظمات الإسرائيلية.
بدورها، قالت حركة حماس في بيان لها إن ما يتعرض له الأسرى من تنكيل وتعذيب جسدي ونفسي وإهمال طبي وتجويع وتعطيش يشكل جريمة حرب مكتملة الأركان.
وأضافت: "إن ما نقله الإعلام العبري عن تأكيد موظفي اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن المعاملة غير الإنسانية التي يواجهها الأسرى المُفرج عنهم على يد جنود الاحتلال ومصلحة السجون الصهيونية؛ يستدعي من المنظمة الدولية تكثيف جهودها في متابعة أوضاع الأسرى الفلسطينيين، ونقل تقاريرها إلى الجهات الدولية المعنية، والعمل على ضمان احترام حقوقهم وفقًا للقانون الدولي الإنساني، وبما يتماشى مع اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية".