تشهد الساحة السياسية تصريحات متكررة من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حول إمكانية تهجير الفلسطينيين، في تماهٍ واضح مع سياسات حكومة الاحتلال الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو.
وعلى الرغم من أن هذه الأفكار تبدو مستحيلة التنفيذ من الناحية الواقعية، إلا أنها تحمل خطورة حقيقية تكمن في إعادة تشكيل الوعي السياسي وجعل المستحيل يبدو كخيار قابل للنقاش.
هذه الاستراتيجية، التي تعتمد على التلاعب الإعلامي والسياسي، تهدف إلى إرباك الموقف الفلسطيني والعربي والدولي، ودفع الأطراف المختلفة إلى مواقع دفاعية بدلًا من التصدي للهجوم الإسرائيلي المستمر.
الصحفية منى حوّا، التي حللت هذه الاستراتيجية، أوضحت أن الأمر لا يتعلق بمجرد تصريحات عشوائية، بل باستخدام نظريات إعلامية مدروسة تهدف إلى تحويل الوهم إلى واقع إعلامي.
تعتمد هذه الاستراتيجية على خلق ضجة ضخمة حول أفكار غير قابلة للتنفيذ، مثل تهجير الفلسطينيين، بهدف إجبار الإعلام والجمهور على التعامل معها بجدية، وهو ما يُعرف بنظرية "الدخان والمرايا".
إضافة إلى ذلك، يتم اللجوء إلى "إغراق الساحة" بوابل من التصريحات والقرارات المتناقضة، بحيث يصبح من الصعب على الإعلام والرأي العام ملاحقتها أو تفنيدها بالكامل. ومن خلال "تصنيع القبول"، يتم تكرار الفكرة ذاتها عبر تصريحات متكررة وتسريبات إعلامية، مما يجعلها أقل صدمة وأكثر قابلية للتداول كأحد الخيارات المطروحة.
في مواجهة هذه الاستراتيجيات، يؤكد الفلسطينيون على موقفهم الثابت في رفض أي محاولات لتهجيرهم، سواء كان ذلك عبر القوة العسكرية أو الضغط السياسي والإعلامي.
خطيب المسجد الأقصى، الشيخ عكرمة صبري، شدد على أن الفلسطينيين لن يتزحزحوا عن أرضهم مهما كلف الأمر، داعيًا الدول المجاورة إلى عدم الرضوخ للضغوط الأمريكية.
كما أشار الصحفي ضياء الكحلوت إلى أن (إسرائيل)، رغم 15 شهرًا من القصف والقتل والتجويع، لم تتمكن من تهجير الفلسطينيين، حيث عاد معظم النازحين إلى ديارهم فور توقف العدوان، مما يؤكد صلابة الشعب الفلسطيني واستحالة فرض أي مخطط لترحيله.
من جهة أخرى، يرى الصحفي يوسف أبو وطفة أن ترامب يتعامل مع القضية الفلسطينية كما يتعامل مع مشاريعه العقارية، محاولًا فرض حلول استثمارية قائمة على الربح والخسارة، غير مدرك أن ما فشل فيه غيره منذ عام 1950 لن يتمكن هو من تحقيقه الآن.
وفي هذا السياق، تتصاعد الدعوات لتكثيف الجهود من أجل تثبيت الفلسطينيين على أرضهم وإفشال المخططات الرامية إلى زعزعة وجودهم.
التصدي لهذه المخططات لا يقتصر على رفضها سياسيًا، بل يتطلب خطوات عملية على مختلف المستويات، بحسب ما يؤكده الناشط الحقوقي رامي عبده، الذي طالب التجار بالتركيز على توفير السلع الأساسية التي تعزز صمود الفلسطينيين بدلًا من اللهاث وراء الربح فقط، كما حثّ ملاك العقارات على الامتناع عن رفع الإيجارات بشكل غير معقول، مما يساهم في إبقاء الناس في بيوتهم. إلى جانب ذلك.
ودعا عبده الأطباء والمهندسون والمعلمون إلى مضاعفة جهودهم لتقديم الخدمات الأساسية للمجتمع الفلسطيني، في حين حمل الفلسطينيون في الخارج مسؤولية دعم صمود أهلهم ماليًا ومادّيًا بشكل مباشر. كما أن على المؤسسات الخيرية والربحية تقديم المساعدات الضرورية، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو دعائية.
في ظل هذا الواقع، يدرك الفلسطينيون أن المخطط الأساسي لا يكمن في تنفيذ التهجير، بقدر ما يتمثل في تحويله إلى فكرة قابلة للنقاش. ومن هنا، فإن المواجهة لا تقتصر على رفض الطرح فقط، بل تتطلب فضح التلاعب الإعلامي وعدم السماح بأن يتحول المستحيل إلى احتمال سياسي.
وكما فشلت (إسرائيل) في تهجير الفلسطينيين بالقوة العسكرية، فإنها ستفشل أيضًا في فرضه عبر الضغوط السياسية والإعلامية، ما دام الفلسطينيون متمسكين بأرضهم ومجتمعهم بكل السبل الممكنة.