في عمق الليل، عندما كانت الرياح تعوي كوحش ضائع في أرجاء المدينة المهدمة، تجمعت مئات العائلات في خيامها المتهالكة غرب رفح وخان يونس وشمال القطاع، تحاول النجاة من العاصفة التي أغرقت حياتهم بما فيها.
كانت العيون تراقب السماء، بينما الأقدام تتنقل بسرعة بين الخيام المتهالكة بحثًا عن مأوى يحميهم من الموت الذي اقترب.
تحت السماء المظلمة، كان هناك من يركض بشجاعة، يحمل في يديه أطفالًا مبتلين بالمطر، ليجدوا مكانًا يقيهم خطر الرياح القوية. كانت الأقدام تغمرها المياه، والقلوب تتسارع، عيونهم تلمع بالخوف، يبحثون عن مكان يعتقدون أنه أكثر أمانًا.
ولكن كلما تحركوا، كانت الرياح تعيدهم إلى نقطة الصفر، لا مكان آمن تحت الخيام" أم تصرخ من بعيد، أبنائي ابتلوا، أين أذهب بهم" حيث تحولت الخيام إلى مجرد أكوام من القماش الذي لا يقيهم من البرد والمطر.
وفي تلك اللحظات، بينما كان البعض ينتقل بسرعة للبحث عن مأوى، ارتجّت الأرض فجأة. سقطت نخلة معمرة على إحدى الخيام في شمال غزة، وكأنها كانت تحمل معها ملامح الأقدار التي لا يمكن الهروب منها. كان الأب يركض بأقصى سرعة حاملاً طفليه بين يديه، وعيناه تراقبان النخلة المائلة التي سقطت على الخيمة التي كانوا يظنونها مأوى.
شاب يقف في منتصف العاصفة، تبللت ملابسه، يسأل هو الآخر:" لقد تمزقت الخيمة، دخل الخوف والمطر من ثقوبها، لا مكان نذهب إليه"
وفي مكان آخر، كانت امرأة مسنّة تجلس على الأرض، عيونها تحدق في الخيمة التي غمرتها المياه، بينما كانت يدها تمسك بيد حفيدتها الصغيرة، تغطيها من الأمطار التي لا تنتهي. لم تجد مفرا من البرد الذي يلتف حولها. كانت تتساءل في لحظة يأس: "أين أذهب الآن؟"، لكنها لم تجد إجابة سوى الغرق في صمت يلف المكان.
بالقرب منها، كانت العائلة الأخرى تقف فوق ردم منازلها المدمرة، عيونهم مليئة بالوجع والحيرة، يراقبون خيامهم التي تطايرت بسبب الرياح.
وفي أحد أحياء غزة، وتحديدًا في حي الشيخ رضوان، كان الموت يختبئ في خيوط البرد. هناك، سقط أحد المواطنين ضحية لهذه العاصفة القاسية. كان قد فقد الأمل في العثور على مأوى جاف، وبينما كان يقف محاولًا تأمين خيمته، داهمته البرودة القارسة والرياح التي جعلت جسده يضعف.
كانت ليلة مؤلمة، لم تمر العام الماضي، ولا هذا الشتاء، ليلة لم يسبق أن مرت على قطاع غزة منذ بداية الإبادة، لحظة مؤلمة، تجسد القسوة التي يعيشها سكان غزة في ظل هذا العدوان المستمر، وعاصفة لن تضيف ذكرى جديدة على الذكريات المؤلمة.
وفي الوقت نفسه، كان صوت فرق الدفاع المدني يصل إلى آذانهم، حيث كانت أصواتهم تزعج الهدوء القاتل.
قال المتحدث باسم الدفاع المدني إن الفرق تحاول جاهدة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن الوضع كان أكثر من أن تحتمله الإمكانيات المتاحة. "نحن نعمل بلا توقف، لكننا نعاني من نقص المعدات، والرياح تجعل المهمة أكثر صعوبة."
وبينما كانت العاصفة تعصف بكل شيء حولهم، كانت العائلات في الخيام تخوض معركة ضد الظلام والخوف، تواجه الموت كل لحظة، وكأن الرياح هي الموت بحد ذاته، في ظل توقعات الأرصاد الجوية، بأن هذه الليلة لن تنتهي وستستمر المأساة حتى الليلة القادمة، صرخة مدوية جديدة لأصحاب الخيام المنكوبة في غزة .