يعد انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من محور نتساريم على شارع صلاح الدين وسط قطاع غزة نقطة تحول هامة في المواجهة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال. لا يقتصر هذا الحدث على كونه انسحابًا عسكريًا فحسب، بل هو انعكاس لفشل الاستراتيجية الإسرائيلية في فرض وقائع جديدة على الأرض، مما يعكس انتصارًا سياسيًا وعسكريًا للمقاومة وإرادة الشعب الفلسطيني.
يرى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون أن انسحاب الاحتلال من محور نتساريم ليس مجرد تراجع ميداني، بل هو اعتراف ضمني من (إسرائيل) بفشل مشروعها الاستعماري أمام صلابة المقاومة وصمود الشعب الفلسطيني.
ويؤكد أن هذا الانسحاب جاء نتيجة حالة الاستنزاف التي تعرض لها العدو منذ بدء العدوان، حيث فشل في تحقيق أهدافه رغم جهوده المستمرة لفرض وقائع جديدة على الأرض. كما يشير إلى أن التراجع الإسرائيلي هو جزء من سلسلة اندحارات ستمتد إلى الضفة الغربية، ما يعزز من قناعة أن زوال الاحتلال ممكن بالمقاومة والمواجهة المستمرة.
ويعتبر المدهون أن ما حدث في نتساريم هو "بروفة مصغرة لنهاية المشروع الصهيوني"، مشددًا على أن الاحتلال لن يصمد أمام إرادة شعب قرر انتزاع حريته، وأن المقاومة ستستمر حتى تحرير كامل الأرض الفلسطينية.
من جهته، يشير الإعلامي إسلام بدر، مراسل التلفزيون العربي، إلى أن هذا الانسحاب هو الثالث من نوعه خلال العشرين عامًا الماضية، إذ سبق أن انسحبت (إسرائيل) من نفس المحور في عام 2005 خلال خطة فك الارتباط، ثم في 2009 بعد حرب غزة، والليلة كان الانسحاب الثالث بعد شهور من احتلاله ومحاولة ترسيخ وجوده عبر إنشاء مبانٍ وتعبيد طرق، تحت دعايات إسرائيلية مضللة بأنهم "يبنون ليبقوا".
ويضيف بدر ساخرًا أن الاحتلال دائمًا يجد من يصفق له حتى من بعض العرب، لكن الحقيقة تظل ثابتة: الاحتلال ينسحب في كل مرة، وسيضطر إلى الانسحاب مجددًا كلما واجه مقاومة حقيقية، لأن مشروعه قائم على السيطرة بالقوة، وليس له مكان في أرض يملكها أهلها المستعدون لاستعادتها.
الانعكاسات السياسية والعسكرية
أما الكاتب الصحفي إياد القرا، فيؤكد أن المصطلحات التي تصف ما جرى، مثل "الاندحار"، "الانسحاب"، "الفشل"، و"الهزيمة"، كلها تعكس حقيقة ما حدث في محور نتساريم، وتكشف زيف التصريحات الإسرائيلية المتكررة التي أطلقها نتنياهو على مدار أكثر من عام.
ويوضح القرا أن الاحتلال لم ينسحب من محور نتساريم طواعية، بل اضطر لذلك بعدما فشل في تحقيق أهدافه العسكرية والسياسية، إذ كان يسعى أولًا للبقاء فيه، ثم الاحتفاظ به كورقة ضغط لمساومة المقاومة، لكنه أدرك في النهاية أن الاستمرار غير ممكن، مما دفعه للتراجع.
كما يشير إلى أن هذا الانسحاب قد يكون مقدمة لانسحابات أخرى، لا سيما من محور فيلادلفيا جنوب رفح، ما يعكس انهيار المشروع الإسرائيلي في غزة، ويؤكد أن المقاومة فرضت معادلتها على الأرض.
يمثل انسحاب الاحتلال من محور نتساريم انتصارًا جديدًا للمقاومة الفلسطينية، ويؤكد أن الاحتلال مهما حاول فرض سيطرته بالقوة، فإنه سيواجه مقاومة لا تستسلم. وكما تكرر هذا السيناريو في الماضي، فإن الاحتلال سيضطر إلى الانسحاب مجددًا من مواقع أخرى، مما يعزز الأمل في تحرير كل الأراضي الفلسطينية.