وسط أنقاض المنازل المدمرة في غزة، تبحث العائلات عن أحبائها، بعضهم تحت الركام، وبعضهم خلف القضبان، والبعض الآخر اختفى دون أثر. ملف المفقودين في حرب الإبادة الجماعية بغزة هو أحد أكثر الملفات الإنسانية تعقيدًا، حيث لا تزال آلاف العائلات تعيش في حالة من الانتظار المرير، بين الأمل واليأس، في ظل غياب آلية رسمية فعالة لتوثيق المفقودين والكشف عن مصيرهم.
أرقام صادمة.. آلاف المفقودين والمجهولين
بحسب وزارة الصحة والدفاع المدني في غزة، فإن عدد المفقودين يتجاوز 14 ألف شخص، معظمهم يُرجَّح أنهم استشهدوا تحت الأنقاض أو تعرضوا للاعتقال دون الكشف عن مصيرهم. ومع مرور الوقت، تتحول الجثث العالقة تحت الركام إلى هياكل عظمية، ما يجعل التعرف عليها أكثر صعوبة، خاصةً في ظل عدم توفر مختبرات فحص DNA داخل القطاع.
وبحسب رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تم العثور على جثامين أكثر من 600 شهيد بعد وقف إطلاق النار، في حين بلغ عدد الذين تبخرت أجسادهم بفعل القصف الإسرائيلي أكثر من 2842 شهيدًا، وهي أرقام تعكس حجم المأساة وتعقيد عملية البحث والتوثيق.
المفقودون بين المعتقلين والمقابر الجماعية
لم تفصح السلطات الإسرائيلية عن أعداد وأسماء المعتقلين الذين تم احتجازهم منذ بداية الحرب، مما يزيد الغموض حول مصير العديد من المفقودين. وهناك شهادات من الناجين تفيد بأن الجيش الإسرائيلي أقام حواجز موت لفرز المدنيين، حيث تم إخفاء بعضهم قسريًا ونقلهم إلى أماكن مجهولة، دون أي وسيلة تواصل مع عائلاتهم.
على الجانب الآخر، تم دفن مئات الجثث في مقابر جماعية أو عشوائية، خاصةً خلال فترات القصف المكثف، حيث لم تتمكن العائلات من دفن ذويها وفق الأصول الشرعية أو تسجيلهم في السجلات الرسمية. وبعد انتهاء العمليات العسكرية، بدأ أهالي غزة في البحث عن القبور المجهولة، وسط مشاهد مفجعة لجثث لم يتمكنوا من التعرف عليها إلا من خلال بقايا الملابس أو المقتنيات الشخصية.
الآثار النفسية والاجتماعية لاختفاء الأحباء
غياب الزوج أو الأب أو الأم يترك فراغًا كبيرًا في الأسر الفلسطينية، حيث تعيش النساء اللواتي فقدن أزواجهن في وضع قانوني واجتماعي صعب، فلا هن أرامل رسميًا ولا هن متزوجات. أما الأطفال الذين فقدوا آباءهم دون معرفة مصيرهم، فيعيشون حالة من الصدمة المستمرة التي تترك أثرًا نفسيًا طويل الأمد.
ويحذر خبراء حقوق الإنسان من أن عدم التوثيق الدقيق لهذه الحالات سيسمح بطمس الحقائق وحرمان العائلات من حقها في معرفة مصير أبنائها، ما يجعل الحاجة إلى جهة مختصة بتوثيق المفقودين والمخفيين قسرًا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
جهود حقوقية لتوثيق المفقودين..
في استجابة للحاجة الملحة لتوثيق حالات الاختفاء، أعلن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن إطلاق مؤسسة متخصصة في ملف المفقودين والمخفيين قسرًا في غزة، بهدف جمع المعلومات، توثيق الحالات، ومتابعة المطالبات بالكشف عن مصير المفقودين.
كما أطلقت وزارة الصحة في غزة نموذجًا إلكترونيًا لتسجيل بيانات الشهداء والمفقودين، في محاولة لتوفير قاعدة بيانات شاملة ودقيقة، يمكن استخدامها في المستقبل للمحاسبة والمساءلة.
المفقودون.. قضية يجب ألا تُنسى
يقول الصحفي تامر المسحال: "ملف المفقودين هو الأكثر مرارة وقهرًا.. لنشارك أسماءهم ونعلي صوتهم ونقف مع عائلاتهم". هذه الكلمات تعكس حقيقة أن معاناة آلاف العائلات يجب ألا تبقى مجرد أرقام في التقارير، بل يجب أن تتحول إلى حملة دولية للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، وضمان عدم تكرار هذه المأساة.
بينما تستمر غزة في البحث عن مفقوديها وسط الدمار، تبقى الحاجة إلى آلية فعالة لتوثيقهم ومساءلة الجناة أولوية إنسانية لا يمكن تجاهلها. فالمفقودون ليسوا مجرد أرقام، بل حكايات وأحلام سرقتها الحرب، وحقوق تنتظر الإنصاف.