من خلف أسوار السجون الإسرائيلية، وسط معاناته من جروح الحرب وويلات الاعتقال، يجلس الأسير منصور موقدة على كرسي متحرك، يشكل رمزًا للصمود والإرادة، رغم الألم الذي يعتصر جسده. أسيرٌ لم يشفع له العمر الطويل في السجون، ولم توقفه عذابات جسده الممزق عن مواجهة الموت البطيء، إذ يُعاني من جروح لم تلتئم وألم لا يرحم.
الاعتقال والإصابة
منصور موقدة، ابن بلدة الزاوية قضاء سلفيت، اعتُقل في الثاني من يوليو 2002 بعد مطاردات استمرت لفترة طويلة. تم إلقاء القبض عليه بعد اشتباكٍ مسلحٍ دام لساعات بينه وبين قوات الاحتلال في قرية سنيريا التابعة لمحافظة قلقيلية. لم يستسلم للعدو، بل واجهه بعزيمة وصمود، إلا أن هذا التحدي كلفه ثمنًا غاليًا، حيث أُصيب بست رصاصات في جسده، مما أدى إلى استقرار رصاصة في ظهره لم تفلح محاولات الأطباء في إزالتها.
الإهمال الطبي
منذ ذلك اليوم، دخل منصور في رحلةٍ من الألم والموت البطيء. ورغم حالته الصحية المتدهورة، كان الاحتلال يعامله بلا مبالاة؛ فلم تُجرَ له العملية الجراحية التي كان يحتاجها، بل اكتفى السجّان بتزويده ببعض المسكنات التي زادت من معاناته. وحين زارته محامية وزارة الأسرى، حنان الخطيب، في مستشفى الرملة، كانت حالته الصحية تُنبئ بمصيرٍ قاتم. فقد أُصيب بشلل نصفي، وكان يعاني من آلامٍ مبرحة، يتقيأ دمًا، ولا يستطيع النوم إلا بمساعدة المسكنات. كما أُصيب بمشاكل كبيرة في معدته، حيث فقدت 70% من وظيفتها، مما جعله بحاجة إلى زرع شبكية في البطن.
وصية الأسير
ورغم القسوة التي تعرض لها، كان منصور يعلم أنه لا يستحق هذه المعاملة اللاإنسانية. كتب وصيته قائلًا: "ضعوني في كفن طاهر، وليس في أكفان إدارة السجون"، في إشارة إلى الوضع الكارثي الذي يعانيه الأسرى المرضى. كان يرى زملاءه يعيشون في حالة احتضار، حتى قال في رسالةٍ أخرى: "الموت أصبح أهون من الحياة علينا".
ورغم كل ذلك، بقي منصور موقدة مصرًّا على المقاومة، متحديًا الحالة التي يعيشها. كان يردد دائمًا: "لن أستسلم، وسأظل صامدًا"، رغم أن جراحه كانت تتفاقم يومًا بعد يوم. في آخر رسالةٍ له، قال: "أعلنت الحداد على نفسي، لأني لا أرى نفسي إلا في الطريق إلى الموت".
معاناة الفقدان
لم تتوقف معاناة منصور عند حدود المرض، ففي عام 2004 فقد والده في حادث مؤلم، ثم توفيت والدته بعد فترة قصيرة، ليُحرم من وداعهما، ويُدفن في قلبه حزن أبدي. ورغم السجون والأسى، ظل حلم منصور بالحرية حيًا، يستمده من حبه لعائلته، وزوجته، وأبنائه الأربعة الذين انتظروا اليوم الذي ينال فيه حريته، ولو للحظات.
شعاع الأمل
اليوم، ولأول مرة منذ أكثر من عقدين، يشرق النور في حياة منصور موقدة. فمع تنفيذ الصفقة السادسة لتبادل الأسرى بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والاحتلال، يتحرر منصور مع مجموعة من الأسرى الفلسطينيين، ليضع حدًا لمسلسل القهر الذي عاشه في الزنازين.
يأتي هذا الإفراج ضمن صفقة التبادل التي تسعى إلى إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين مقابل جنود الاحتلال المحتجزين لدى المقاومة. وتُعد هذه الصفقة خطوةً جديدةً على طريق الوفاء للأسرى الذين ضحّوا بحريتهم في سبيل حرية وطنهم.
منصور موقدة، رغم السنين التي سرقتها السجون والآلام، سيعود اليوم إلى سلفيت، ليبدأ حياةً جديدة، ربما من على كرسيه المتحرك، لكنه سيظل واقفًا بإرادته التي لم تنكسر، شاهدًا حيًا على معاناة الأسرى وصمودهم