«إزرع الأول».. مبادرة شبابية لإعادة زراعة أراضي غزة

غزة - رزان الحاج

تعرّض القطاع الزراعي في غزة لدمار واسع النطاق نتيجة الحرب الأخيرة، حيث استهدف الاحتلال الإسرائيلي معظم الأراضي الزراعية، مما أدى إلى شح كبير في المحاصيل الأساسية والثانوية، وأثّر بشكل مباشر على الأمن الغذائي لسكان القطاع.

لم تقتصر آثار الحرب على تدمير الأراضي الزراعية، بل امتدت إلى البنية التحتية الزراعية بالكامل، حيث طالت شبكات الري والمعدات والمخازن، بالإضافة إلى مزارع الإنتاج الحيواني. وأدى ذلك إلى فقدان آلاف العائلات، التي تعتمد على الزراعة، لمصدر رئيسي للغذاء والدخل.

قبل الحرب، كان قطاع غزة قادرًا على تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي، بل وكان يُصدّر نحو 15% من فائض إنتاجه الزراعي إلى الضفة الغربية والأردن والخليج، إلا أن الحرب غيرت هذه المعادلة بالكامل، فأصبح القطاع يعتمد اليوم بشكل شبه كامل على الاستيراد، مع انخفاض الإنتاج المحلي إلى 15% فقط من احتياجات السكان، وفق ما صرّح به الناطق الإعلامي باسم وزارة الاقتصاد، محمد أبو عودة، لـ"الرسالة نت".

كما أوضح أن الاحتلال الإسرائيلي دمّر 85% من الأراضي الزراعية و95% من الإنتاج الحيواني، مما تسبب في أزمة غذائية حادة ذات تداعيات خطيرة على سكان غزة.

مبادرات شبابية لإعادة الحياة إلى الزراعة

وسط هذا الواقع القاسي، برزت مبادرات شبابية تهدف إلى إعادة إحياء الأراضي الزراعية وتقليل الاعتماد على الاستيراد. ومن بين هذه المبادرات، أطلق الناشط الإعلامي محمد أبو رجيلة مشروع "إزرع الأول"، وهي مبادرة تستهدف زراعة 100 ألف متر مربع من القمح، في محاولة لتعويض النقص الحاد في الطحين بعد الأزمة التي عصفت بالقطاع.

جاءت هذه الفكرة كردّ فعل على المجاعة التي هددت السكان بعد منع الاحتلال إدخال القمح والمواد الغذائية الأساسية، مما أدى إلى نقص شديد في الطحين، وهو مادة أساسية لصنع الخبز، الغذاء الرئيسي لأهل غزة.

كان المشروع بمثابة رسالة تحدٍّ للاحتلال، تؤكد أن غزة قادرة على زراعة أرضها والاعتماد على نفسها رغم كل الظروف.

تحديات تعترض طريق التعافي الزراعي

إلا أن هذا المشروع، وغيره من المحاولات الزراعية، يواجه العديد من التحديات التي تجعل إعادة القطاع الزراعي إلى سابق عهده أمرًا صعبًا.

أولى هذه التحديات تتعلق بصلاحية الأراضي الزراعية، حيث إن العديد من الأراضي التي تعرضت للقصف تحتاج إلى فحوصات متخصصة للتأكد من خلوها من المواد الكيميائية والسموم التي استُخدمت في الحرب، والتي قد تؤثر على جودة المحاصيل وتجعلها غير صالحة للاستهلاك. كما أن هناك نقصًا حادًا في المعدات الزراعية الثقيلة، مثل الجرارات والحفارات، التي تساعد في إعادة تسوية الأراضي وتهيئتها للزراعة من جديد.

بالإضافة إلى ذلك، فإن شبكات الري التي دُمّرت بفعل القصف تحتاج إلى إعادة تأهيل، وهو أمر مكلف وصعب في ظل الحصار المفروض على القطاع.

كما تعاني غزة من نقص في المختبرات الزراعية المتخصصة بفحص التربة والمياه، وهو ما يزيد من صعوبة استئناف النشاط الزراعي، حيث لا يمكن للمزارعين التأكد من جودة الأراضي التي يزرعونها أو سلامة المحاصيل التي ينتجونها.

إرادة لا تنكسر

ورغم هذه التحديات الكبيرة، فإن إرادة المزارعين والشباب في غزة لم تنكسر، حيث يواصلون العمل بموارد محدودة، محاولين إعادة الحياة إلى الأراضي الزراعية واستعادة جزء من الاكتفاء الذاتي الذي كانت غزة تتمتع به قبل الحرب.

مشروع "إزرع الأول" ليس مجرد مبادرة زراعية، بل هو رمز لصمود غزة وشبابها، ورسالة واضحة بأن الاحتلال قد يدمر الأرض، لكنه لن يستطيع القضاء على إرادة أهلها.

في ظل هذا الواقع، تبقى الجهود المبذولة في إعادة الزراعة خطوة أساسية نحو استعادة العافية الاقتصادية والغذائية للقطاع، في انتظار دعم أوسع يساعد غزة على النهوض مجددًا، والاعتماد على مواردها المحلية لتأمين احتياجات سكانها.