كانت الساعة الثالثة فجرًا من يوم الثامن والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2024، عندما دوّى صوت جيش الاحتلال في حي شريم بمحافظة قلقيلية في الضفة المحتلة. جنود مقنّعون، مدججون بالسلاح، اقتحموا منزل الدكتورة زهرة خدرج، ليبدأ معها فصل جديد من الألم والمعاناة.
تصف الكاتبة والروائية خدرج، البالغة من العمر 53 عامًا، تجربتها في الأسر ضمن صفقة "طوفان الأحرار" بأنها مريرة وقاسية، مليئة بالقهر والمعاناة. وتقول: "هناك الكثير من المحطات لا أرغب في تذكرها، ولو كان بمقدوري مسحها من ذاكرتي لفعلت دون تردد."
وتتابع: "اقتحم الجنود منزلي، واقتادوني إلى غرفة الاستقبال، حيث أجروا تحقيقًا أوليًا لتشخيص هويتي. بعدها، قامت مجندتان بتفتيشي جسديًا، ثم تم اقتيادي إلى الخارج معتقلة."
رحلة الاعتقال القاسية
قيّد الاحتلال يدي خدرج بقيود بلاستيكية سميكة وحادة الحواف، وعصبوا عينيها قبل أن يقتادوها عبر جيب عسكري إلى معسكر للجيش في طقس شديد البرودة، حيث هطل المطر بغزارة حتى تبللت ملابسها بالكامل، وارتجف جسدها من البرد والتوتر.
وتروي تفاصيل لحظة مرعبة: "شعرت بأنفاس دافئة تلامس يدي المقيدتين، وعندما استوعبت أنه كلب بوليسي، صرخت هلعًا وقفزت إلى الأمام. حينها، أمر الضابط المسؤول بإبعاده عني."
وفي إحدى الغرف، خضعت لفحص طبي سريع، حيث تم قياس ضغطها وسؤالها عن الأمراض المزمنة التي تعاني منها. وتضيف: "كان البرد ينهش أصابعي، وشعرت بقلبي يرتجف من شدة البرودة بسبب مكيف الهواء الذي كان يضرب وجهي مباشرة."
بين التحقيق والعزل
كانت المحطة الأولى للتحقيق مستوطنة أرئيل، حيث استخدم الاحتلال الضغط النفسي والتقييد المستمر ليديها وقدميها. لاحقًا، نُقلت عبر البوسطة إلى سجن هاشارون، حيث أمضت 12 ساعة قاسية سببت لها آلامًا شديدة في الظهر وتشنجات عضلية في الرقبة والقفص الصدري، إضافة إلى ارتفاع الحرارة والسعال المستمر.
تقول خدرج: "داخل هاشارون، تنقلت بين أربع زنازين مزودة بكاميرات مراقبة، لا تحتوي على مصادر للمياه، وكان مكان قضاء الحاجة مكشوفًا للكاميرات."
بعد ذلك، نُقلت إلى سجن الدامون، حيث التقت بالأسيرات لأول مرة منذ اعتقالها. تصف شعورها بالقول: "رغم الأبواب الموصدة، رحّبن بي بحرارة وسألنني بإلحاح عن أخبار الحرب (طوفان الأقصى) والأوضاع في البلاد."
الجوع والحرمان داخل السجون
تؤكد خدرج أن الجوع كان السمة الأبرز طوال فترة اعتقالها، موضحة أن كميات الطعام قليلة جدًا ورديئة الجودة، حتى أنها "لا تسد جوع قطة"، كما وصفتها. خسرت 25 كيلوغرامًا من وزنها، وكانت تعاني من هبوط مستمر في مستوى السكر، ما أدى إلى دوخة متكررة وفقدان للطاقة.
أما شهر رمضان، فقد كان أصعب الفترات داخل الأسر، بسبب قلة الطعام والسوائل وسوء الظروف المعيشية. وتضيف: "في الصيف، كان الجو خانقًا بسبب الرطوبة العالية، ولم تكن هناك مراوح أو أي وسيلة للتبريد. أما في الشتاء، فكان البرد قارسًا، بلا وسائل تدفئة أو حتى أغطية وملابس كافية."
الاقتحامات والقمع المتواصل
تذكر خدرج أن الاقتحامات الليلية كانت من أشد التجارب قسوة، حيث كان الجنود يقتحمون الغرف بشكل مفاجئ، ويرشّون الغاز على الأسيرات، كما استخدموا الكلاب البوليسية لإرهابهن، خاصة القاصرات.
كما فرض الاحتلال عقوبات جماعية، منها منع الأسيرات من "الفورة" اليومية، مما حرمهن من الاستحمام، لعدم توفر دورات مياه داخل الغرف. وتشير إلى أن العدد الكبير للأسيرات في الزنازين أدى إلى انعدام الخصوصية تمامًا، قائلة: "كنت أشعر أنني مكشوفة تمامًا أمام الجميع."
قانون الطوارئ وعزل الأسرى
منذ السابع من أكتوبر، فرض الاحتلال قانون الطوارئ في السجون، وحوّلها إلى مراكز عزل تهدف إلى كسر إرادة الأسرى وتدميرهم نفسيًا. وتقول خدرج: "العزلة كانت أقسى ما في الاعتقال، فقد كنا ننتظر زيارة محامٍ لأي منا ليحمل لنا أخبارًا عن غزة، وعن الصفقة وتبادل الأسرى والمساعدات."
أعداد الأسيرات والتطورات الأخيرة
تكشف خدرج أن عدد الأسيرات عند بداية اعتقالها بلغ 100 أسيرة، 75 منهن من غزة، لكن بعد شهر، تم إطلاق سراحهن على دفعات.
وفي آذار/ مارس، أعاد الاحتلال اعتقال ثلاث نساء من غزة. لاحقًا، تم الإفراج عن 69 أسيرة ضمن الدفعة الأولى من صفقة "طوفان الأحرار"، وبقي 10 أسيرات داخل سجن الدامون، من بينهن الثلاث المعتقلات من غزة.
مؤخرًا، اعتقل الاحتلال 8 أسيرات جديدات من الضفة الغربية، ليصل العدد الإجمالي للأسيرات داخل سجون الاحتلال إلى 18 أسيرة.
توثيق المعاناة في كتاب جديد
سعيًا لتوثيق جرائم الاحتلال بحق الأسيرات، بدأت الكاتبة والروائية زهرة خدرج في كتابة تجربتها في الاعتقال في كتاب يحمل عنوان "أيتدثر الياسمين بالسواد؟"، حيث تسلط الضوء على معاناة الأسيرات وظروف اعتقالهن اللاإنسانية.