قُبلة القسّام

غزة _ خاص الرسالة نت 

في مشهد غير مسبوق حظي بانتشار واسع، ظهر الجندي الإسرائيلي الأسير المُفرج عنه عومر شيم توف وهو يُقبل رأس أحد مقاتلي كتائب القسام خلال مراسم الإفراج عنه في مخيم النصيرات، ضمن صفقة تبادل الأسرى الجارية. 
هذه الصورة، التي التقطتها عدسات الكاميرات، تجاوزت مجرد كونها لقطة عابرة لتتحول إلى رمز يحمل أبعادًا سياسية، وإنسانية، وإعلامية عميقة.

رسائل ودلالات إنسانية

لطالما روّجت (إسرائيل) لرواية إعلامية تصف المقاومة الفلسطينية بصفات سلبية، وتدّعي سوء معاملة الأسرى لديها. إلا أن هذه اللقطة قلبت تلك الادعاءات رأسًا على عقب، إذ أظهرت الأسير الإسرائيلي يُعبر عن امتنانه العفوي للمقاوم الذي كان مسؤولًا عنه طوال فترة احتجازه. 
تقبيل الرأس هو فعل يحمل معاني العرفان والاحترام في العديد من الثقافات، وهو ما يكشف عن معاملة الأسرى بطريقة تتسم بالإنسانية.

في هذا السياق، علق الإعلامي هشام جابر على المشهد قائلًا: "عندما يقبل الأسير رأس من حافظ على حياته؛ هنا رجال غزة"، في إشارة إلى المعاملة الأخلاقية التي تلقاها الأسرى الإسرائيليون لدى المقاومة. أما رسام الكاريكاتير محمود عباس، فكتب: "أسير إسرائيلي يُقبل رأس المقاوم لحسن المعاملة، إن كان هناك إعلام غربي حقيقي فمثل هذه اللقطة يُفترض أن تقلب العالم..".

صدمة الإعلام الإسرائيلي وتجاهل المشهد

رغم الاهتمام الكبير الذي لاقته الصورة في الأوساط العربية والفلسطينية، إلا أن الإعلام الإسرائيلي تجنّب إلى حدٍّ كبير التعليق عليها أو تحليلها بعمق. مراسل القناة 12 العبرية أشار إلى أن المشهد تم تجاهله في (إسرائيل)، في وقت اعتبر فيه الصحفي أور هيلر أن الصورة بمثابة "دعاية مجانية لحماس". هذا التجاهل يعكس حرجًا إسرائيليًا من تداعيات اللقطة، التي تقوض مزاعم الاحتلال بشأن المعاملة القاسية التي يتلقاها أسرى جيشه في قبضة المقاومة.

الناشط محمود الحسنات كتب مندهشا: "أول أسير في التاريخ يقبّل رأس آسريه!"، فيما اعتبر الكاتب محمد منصور أن المشهد يحمل دلالات تتجاوز السياسة، وعلّق في منشور له قائلًا: "ربما كانت هذه فرصته الأخيرة كي يرى فيها رأس رجل بحق.. كي يُقبل جبينه الطاهر!".

تأثير الصورة على الرأي العام العالمي

أثارت الصورة ردود فعل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبرها بعض الناشطين "لحظة تاريخية" تجسد الفارق الأخلاقي بين الجانبين. فقد أظهرت كيف يعامل مقاتلو المقاومة الأسرى بإنسانية، رغم كل العنف الذي يتعرض له الفلسطينيون يوميًا من قبل الجيش الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، كتب إبراهيم سليمان القرا على فيسبوك: "كل روايات التضليل والكذب والإفك والزور والتشويه للمقاتل الفلسطيني تحطمت أمام هذه الصورة التي يظهر فيها أحد الأسرى الصهاينة يقبل رأس مقاتل من القسام". 
بينما أضاف الناشط كامل الهيقي: "أسير يقبل رأس سجانه.. شيء لم يحدث في تاريخ الإنسانية ولن يحدث.. نحن أمام الأسطورة التي لأجلها كل العالم يتآمر عليهم".

التوقيت والتأثير على صفقة التبادل

يأتي هذا المشهد في سياق استمرار تنفيذ صفقة تبادل الأسرى، حيث أُفرج عن ستة أسرى إسرائيليين في اليوم الخامس والثلاثين من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ومن المتوقع أن يتم الإفراج عن 602 أسير فلسطيني من سجون الاحتلال. تزامن هذه الصورة مع عمليات التبادل قد يعزز وجهة النظر الفلسطينية بأن المقاومة تنفذ وعودها وتحترم تعهداتها، في مقابل استمرار الاحتلال في اتباع سياسات الاعتقال التعسفي.

في ذات السياق، كتب فخري صباح: "هذه لحظات للتاريخ . . تاريخ البشرية جمعاء . . التاريخ برمته والبشر بكليتهم . . إنه (يقبل رأس آسريه وهو يودعهم) . . سيحتاج العالم وقتاً أطول لفهم هذه الدروس . . سيكتشف العالم يوماً أنه بحاجة لمثل هؤلاء الرجال وبأمس الحاجة للنهج الذي ينتهجون والعقيدة التي يحملون . . لا يمكن الاستهانة بمثل هذه السريالية بأي شكل من الأشكال".

ما بعد الصورة: هل يتغير شيء؟

رغم رمزية المشهد، فإن تأثيره على السياسات الإسرائيلية الرسمية يبقى محدودًا، حيث تتبع إسرائيل نهجًا يستند إلى القوة العسكرية وتجنب الاعتراف بأي نقاط ضعف. إلا أن على المدى الطويل، قد تؤدي مثل هذه اللقطات إلى إحداث شروخ في الرواية الإسرائيلية، وربما تدفع المزيد من الإسرائيليين للتساؤل حول حقيقة ما يجري في غزة، بعيدًا عن الصورة النمطية التي يروّجها الإعلام العبري.

الصورة أقوى من السلاح؟

تقبيل رأس مقاوم من كتائب القسام من قبل أسير إسرائيلي ليس مجرد فعل فردي، بل هو لحظة تفتح المجال لمراجعة المواقف السياسية والإعلامية، وتفضح زيف الكثير من الادعاءات. في عالم تتحكم فيه الصور بالمواقف السياسية أكثر من الكلمات، قد تكون هذه اللقطة واحدة من اللحظات الفارقة التي تظل محفورة في الذاكرة الجماعية لصراع المقاومة الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير