يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي يجد نفسه مجدداً مضطراً للرضوخ لشروط المقاومة الفلسطينية، في مشهد يتكرر ليؤكد أن إرادة المقاومة قادرة على فرض معادلاتها السياسية والميدانية رغم كل محاولات الالتفاف والتعطيل.
فمع الإعلان عن التفاهم الجديد حول استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، يتضح أن الاحتلال لم يكن أمامه خيار سوى الامتثال للاتفاق، رغم المماطلة السابقة التي حاول من خلالها كسب الوقت أو تحسين شروطه التفاوضية.
استكمال الالتزامات وإطلاق سراح الأسرى
بحسب ما تم الاتفاق عليه، من المقرر أن يتم الخميس الإفراج عن أربعة جثامين لأسرى العدو، الذين قُتلوا خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. وفي المقابل، سيفرج الاحتلال عن أكثر من 600 أسير فلسطيني الذين كان ينبغي إطلاق سراحهم في الدفعة السابقة، إضافة إلى جميع الأطفال والنساء الذين يُشكّلون استحقاقاً مقابل تسليم الجثامين.
وتشير التفاصيل إلى أن العملية ستتم في الجانب المصري، وهي خطوة مدروسة تهدف إلى منع الاحتلال من التهرب أو فرض شروط جديدة تؤدي إلى تأخير التنفيذ، وهي استراتيجية متكررة اعتمدها العدو في أكثر من مناسبة. كما أن التنفيذ سيتم بشكل متزامن، وفق جداول زمنية محددة مسبقاً، لضمان عدم خرق الاحتلال لالتزاماته.
المقاومة: ثبات في الموقف وحماية للشعب
تؤكد المقاومة الفلسطينية، من خلال هذا الاتفاق، أنها لا تزال الطرف الأكثر التزاماً بحماية حقوق الأسرى الفلسطينيين، والحرص على تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه بدقة وعزيمة لا تلين. فبالرغم من محاولات الاحتلال التملص، جاء الاتفاق الجديد ليعيد تصويب المسار ويضمن الإفراج عن الأسرى الذين تأخر إطلاق سراحهم.
زيارة وفد قيادة حركة حماس إلى القاهرة، برئاسة د. خليل الحية، أسفرت عن تثبيت هذه البنود، والتأكيد على ضرورة التزام الاحتلال التام بما تم التوافق عليه. وقد جاء هذا في ظل استمرار مباحثات تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، وهو ما يعكس أن المقاومة مستمرة في الضغط السياسي والميداني لضمان عدم تلاعب الاحتلال بأي من تفاصيل الصفقة.
نتنياهو تحت الضغط: بين الداخل والضغوط الدولية
في الوقت الذي يسوّق فيه الاحتلال الإسرائيلي هذه الصفقة داخلياً على أنها "نجاح" أمني، إلا أن الحقيقة تكشف عن مشهد مختلف تماماً. فحكومة الاحتلال، بقيادة بنيامين نتنياهو، تعيش مأزقاً داخلياً متزايداً، في ظل استمرار الانتقادات الحادة من عائلات الجنود والأسرى الإسرائيليين، الذين يطالبون بإعادتهم بأي ثمن. هذه الضغوط، بالإضافة إلى المتغيرات السياسية والدبلوماسية، تجعل نتنياهو مضطراً للتنازل ولو جزئياً، لتخفيف الضغط الداخلي والدولي.
وما يعزز هذا التوجه، هو إعلان هيئة البث الإسرائيلية عن استعداد الاحتلال لإرسال وفد إلى مصر أو قطر لمناقشة تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، بمشاركة مبعوث ترمب للشرق الأوسط، الذي أعلن استعداده للسفر إلى المنطقة لمتابعة الصفقة. هذا الاهتمام الأمريكي والإسرائيلي بتفاصيل التنفيذ يكشف مدى أهمية الملف بالنسبة للاحتلال، والخشية من أن تفشل جهوده في إغلاق هذا الملف لصالحه.
دلالات الصفقة وتأثيراتها المستقبلية
1. إثبات فشل سياسة المماطلة الإسرائيلية: فقد اضطر الاحتلال لتنفيذ التزاماته، بعدما راهن على تأجيل الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين في الدفعة الأخيرة.
2. تعزيز مكانة المقاومة كطرف قوي في التفاوض: إذ إنها استطاعت فرض شروطها وإجبار الاحتلال على القبول بها، رغم الضغوط السياسية والعسكرية.
3. انعكاسات داخلية على حكومة الاحتلال: حيث يستمر تراجع شعبية نتنياهو، في ظل ما يراه الإسرائيليون فشلاً في إدارة الملف الأمني والأسرى.
4. تمهيد لمفاوضات جديدة حول المرحلة الثانية: حيث ستتجه الأنظار إلى جولات التفاوض القادمة، التي ستحدد مصير المزيد من الأسرى الفلسطينيين والإسرائيليين.
مرة أخرى، تؤكد هذه الصفقة أن الاحتلال لا يستطيع فرض إملاءاته على المقاومة، بل إنه يُجبر على تقديم التنازلات تحت ضغط الواقع الميداني والسياسي. وبينما يحاول نتنياهو إنقاذ موقفه الداخلي عبر صفقات جزئية، يبقى الثابت أن إرادة المقاومة، الحريصة على شعبها، تبقى صاحبة الكلمة العليا في هذا الملف.