أعلن وزير حرب الاحتلال الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن جيشه هجّر قسرًا سكان ثلاثة مخيمات في الضفة الغربية، ولن يسمح بعودتهم، مؤكدًا أن جيشه سيستمر في عدوانه وتواجده، ومنع عودة سكان تلك المخيمات حتى نهاية العام، ما يثير تساؤلات حول سقف المخططات الإسرائيلية التي تستهدف مخيمات الضفة وتداعياتها.
وينفذ الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة النطاق في الضفة الغربية منذ 21 يناير الماضي، وذلك بعد يومين من سريان وقف إطلاق النار في غزة.
واضطر عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى مغادرة منازلهم في مخيمات اللاجئين بالضفة الغربية، حيث تعرضت منازلهم والبنية التحتية للهدم والتدمير.
حرب على المخيمات في الضفة
ويبدو أن الاحتلال أعدّ مخططات لحرب طويلة في مدن ومخيمات الضفة الغربية المحتلة، تبدأ بالتهجير وتنتهي بالضم. ولتوضيح أبعاد وأهمية هذه الحرب، يجب الإجابة على الأسئلة التالية:
1. كم عدد مخيمات اللجوء في الضفة الغربية؟
تقدم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) خدماتها في 19 مخيمًا للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية، بينما يوجد 5 مخيمات غير رسمية.
2. كم عدد اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية؟
يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في الضفة حوالي 828,328 لاجئًا مسجلًا لدى وكالة "الأونروا"، وذلك فضلًا عن غير المسجلين، وفق معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني منتصف عام 2023.
ويشكل اللاجئون نسبة 26% من سكان الضفة الغربية.
3. لماذا يستهدف الاحتلال المخيمات في حربه على الضفة الغربية؟
شكلت المخيمات رأس حربة المقاومة الفلسطينية منذ النكبة، فأولئك الذين تربوا في المخيمات دون مقومات حياة طبيعية، وعلى مرمى حجر من قراهم ومدنهم المحتلة، نشأوا على ثأر كبير.
وبقيت المخيمات تتصدر النضال الفلسطيني في كل المحطات، منذ الانتفاضة الأولى وحتى يومنا هذا.
وكان مخيم جنين تحديدًا أحد أبرز المخيمات التي تصدرت عمليات المقاومة، خاصة في انتفاضة الأقصى عام 2000 وما بعدها، كما أصبح بيئة حاضنة للمقاومين.
وخلال السنوات الأخيرة، وخلال الحرب على قطاع غزة، كانت مخيمات جنين، وطولكرم، وعين شمس في طليعة مشهد المقاومة، وخرج منها عدد من منفذي العمليات ضد الاحتلال.
4. ما هي أبرز عمليات الاحتلال ضد المخيمات في الضفة؟
وضع الاحتلال المخيمات الفلسطينية في صدارة أهدافه منذ النكبة، وخاض ضدها عمليات عسكرية متكررة، من أبرزها:
عام 2002: خلال عملية "السور الواقي"، اجتاح الاحتلال الضفة الغربية بالكامل، وكان للمخيمات النصيب الأكبر من المقاومة والاستهداف. ولا تزال معركة مخيم جنين شاهدًا على تلك الحقبة، حيث دمر الاحتلال المخيم بالكامل وهدمه على رؤوس ساكنيه.
عام 2007: ضمن ما عرف بخطة "دايتون"، التي تم فيها تدريب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية على ملاحقة المقاومة، شنت السلطة والاحتلال معًا حملة أمنية مشتركة وطويلة الأمد لتصفية المقاومة عبر القتل والاعتقال، فيما عرف بسياسة "الباب الدوار".
عام 2015: في ذروة انتفاضة السكاكين، شنت قوات الاحتلال حملات أمنية متكررة استهدفت مخيمات القدس، وجنين، ونابلس، والخليل، بهدف وأد عمليات المقاومة.
خلال الحرب على غزة (2024-2025): شن الاحتلال حربًا موازية في الضفة الغربية، كان لمخيمات شمال الضفة النصيب الأكبر منها. كما شنت أجهزة أمن السلطة حملة عسكرية ضد مخيم جنين، بغطاء ودعم أمريكي-إسرائيلي، استمرت قرابة 70 يومًا، لكنها فشلت في القضاء على المقاومة.
21 يناير 2025: بدأ الاحتلال عدوانه المستمر، الذي انطلق من مخيم جنين، وامتد ليطال مخيمي طولكرم وعين شمس.
5. ما دلالات توقيت الحرب على المخيمات؟
توقيت الحرب على المخيمات في الضفة ليس عشوائيًا، بل يحمل دلالتين رئيسيتين:
1. صفقة داخلية في حكومة الاحتلال: جاءت الحرب ضمن مساومة داخل حكومة الاحتلال، حيث وافق اليمين المتطرف على تمرير اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، مقابل وعد من نتنياهو بشن عملية كبرى في الضفة، وإطلاق يد الجيش والمستوطنين، وتوسيع الاستيطان.
2. استغلال وجود الرئيس الأمريكي الجديد، دونالد ترامب: ترى حكومة الاحتلال أن ولايته الثانية تمثل الفرصة الأنسب لتمرير مخططات الضم، عبر فرض وقائع جديدة على الأرض.
6. ما هي أبرز الإجراءات العسكرية التي يتخذها الاحتلال في المخيمات؟
يعتمد الاحتلال في حربه الحالية على فرض السيطرة طويلة الأمد على المخيمات، عبر عدة إجراءات، أبرزها:
تهجير السكان وإبقاء الجيش داخل المخيمات لفترات طويلة، لتخفيف الكثافة السكانية مستقبلًا، وهي أحد أهم نقاط القوة في المخيمات.
نسف وهدم عدد كبير من البيوت، وشق شوارع عريضة داخل المخيمات، لتقسيمها إلى مربعات سكانية تسهّل السيطرة العسكرية عليها.
استهداف "الأونروا" تمهيدًا لإلغائها، باعتبارها رمزًا لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم التي طردوا منها عام 1948.
حرب متدحرجة
بدأ الاحتلال الإسرائيلي حربه ضد مخيمات شمال الضفة الغربية المحتلة، لكن التوقعات تشير إلى امتداد العمليات تدريجيًا لتطال مخيمات الوسط والجنوب، خاصة نابلس والخليل، نظرًا إلى:
تاريخها النضالي الطويل، وقدرتها على تنفيذ عمليات ضد الاحتلال.
قربها الجغرافي من المستوطنات وتداخلها معها، مما يجعلها أهدافًا سهلة لجيش الاحتلال والمستوطنين.
تُظهر هذه الحرب أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى إعادة رسم خريطة الضفة الغربية، عبر تهجير سكان المخيمات، وفرض سيطرة عسكرية طويلة الأمد، تمهيدًا لمخططات الضم. ورغم الضغوط والتهجير، لا تزال المخيمات حاضنة للمقاومة الفلسطينية، كما أثبتت الأحداث على مدار العقود الماضية.